«أولاد حارتنا» بعد خمسين عاماً.. من منظور خلدوني
* الدستـور الاردنيــة
بعد انقضاء خمسين عاماً على صدور رواية "أولاد حارتنا" ، كم سيكون صادماً التساؤل عن سبب ، أو أسباب إقدام نجيب محفوظ على كتابة هذه الرواية ، خاصة بعد أن وقر في أذهان كثير من الباحثين والدارسين أن الرواية تمثل رد فعل فكري تجاه النظام الناصري في مصر. على أن تحديقاً جديداً في رواية "أولاد حارتنا" - لا يجُبّ بالضرورة قراءات سابقة: لأن الرواية ما زالت تمثل نصاً إشكالياً يستدعي المزيد من القراءات - من شأنه أن يقودنا إلى طرح الأسئلة التالية: رغم وجود البعد الفكري (العروبي ـ الاشتراكي) للنظام الناصري ، فهل كان هذا البعد من الرسوخ والنضوج بحيث يدفع كاتباً مثل نجيب محفوظ لابتكار (إليجورة) تستعيد قصة اصطفاء آدم وتمرد إبليس وإغواء آدم ثم طرده وحوّاء إلى الأرض ، وإقدام قابيل على قتل شقيقه هابيل ، كما تستعيد قصص الأنبياء: موسى ، وعيسى ، ومحمد (عليهم السلام) ، من جهة ، وقصة العلم الحديث ، من جهة ثانية؟ رغم وجود البعد المصري المحلي الفاقع لرواية "أولاد حارتنا" ، وإذا افترضنا ـ جدلاً ـ أن الرواية هي رد فعل تجاه النظام الناصري ، فلماذا حلّقت الرواية في آفاق تتجاوز حدود مصر لتطال التجربة الدينية والفكرية للإنسانية جمعاء؟ وإذا كانت الرواية تمثل رد فعل فكري تجاه النظام الناصري ، فلماذا أغفل نجيب محفوظ في هذه الرواية أية استعادة ، أو أية إشارة للحضارة الفرعونية - رغم أن البعض سيقول إن هذه الحضارة قد تم استعادتها من خلال قصة (جبل ـ موسى) وتبنّى بدلاً من ذلك الرؤية الإسلامية كما وردت مسلسلة في القرآن الكريم؟
هذه بعض التساؤلات التي يصعب التنكر لها في قراءتنا الجديدة لرواية "أولاد حارتنا" ، وقد يكون صادماً ، أيضاً ، القول إن الإجابات تستلقي في أحضان هذه التساؤلات، فالبعد العروبي والاشتراكي للنظام الناصري ، على الصعيد السياسي - رغم هشاشته على الصعيد الفكري - هو ما أدّى بنجيب محفوظ - على غير عادته - إلى التحليق في آفاق تتجاوز الحدود السياسية والفكرية للحارة المصرية ، التي طالما مثّلت بالنسبة له المعادل المكاني والزماني والثقافي لمصر. كما أن الزعامة السياسية التي راح النظام الناصري يؤسسها لنفسه في العالم الإسلامي - رغم اصطدامه بالإسلاميين ، في مصر - هو ما أدّى بنجيب محفوظ إلى تبني الرؤية الإسلامية كما وردت في القرآن الكريم بخصوص قصة الخلق وقصص الأنبياء ، بعد ذلك ، وصولاً إلى عصر العلم الحديث.
إذن ، وخلافاً لما هو سائد في أوساط الباحثين والنقاد المتعاطفين مع "أولاد حارتنا" بوصفها مقاربة نقدية لما آل إليه حال أتباع الديانات الثلاث ، أو المناوئين لها بوصفها انتهاكاً لمعصومية الأنبياء ، فإن نجيب محفوظ قد صدر في هذه الرواية عن رؤية إسلامية خالصة التزمت من حيث المضمون والتسلسل التاريخي ما ورد في القرآن الكريم من قصص لم يدخر نجيب محفوظ وسعاً لإعادة سرده بمستويات لغوية راوحت بين الفصيحة الملحمية واليومية الشعبية ، وباذلاً ـ في الوقت نفسه ـ جهداً كبيراً لتمصير الشخصيات والأحداث وإكسابها توتراتها وتناقضاتها الإنسانية التي من شأنها أن تباعد ما بين مستواها الدنيوي البشري المعتاد ومستواها الديني والتاريخي المُقدّس. والغريب أن هذا الجهد الذي بذله نجيب محفوظ لإحداث هذه المباعدة قد كان المدخل الذهبي لكل من اتهمه بالتطاول ، رغم أن المحصلة النهائية لـ"أولاد حارتنا" تصب وتلتقي مع الرؤية الإسلامية للتاريخ والواقع ، من حيث:
ھأن الإنسان بطبعه (كثير النسيان) ، فهو ، رغم كل التجارب القاسية التي يمر بها ، والتي من شأنها أن تزيده تمسكاً بالحق والخير ، إلا أنه ، وما أن يشعر بالاطمئنان حتى يتنكر لقيم الحق والخير.
ھلأن الإنسان (كثير النسيان) فهو في أمس الحاجة إلى من يذكره بالعودة إلى التمسك بقيم الحق والخير ، ولذلك فقد وجد الأنبياء.
ھأن الدنيا لا تدوم على حال ، وحال الفقر والعسف فيها أكثر بروزاً من حال الغنى والعدل.
ھأن الإنسان بطبعه ميال إلى حرف الحقائق ، ولذلك فهو يميل إلى سرد الأحداث والوقائع وفقاً لما يلائم مصالحه وهواه وليس وفقاً لما يتطابق مع الأصل والجوهر.
ولو أردنا أن نستطرد في سرد التطابق الداهش بين مضمون "أولاد حارتنا" وبين منطوق الرؤية الإسلامية للواقع والتاريخ والعالم لاحتجنا إلى صفحات ، ولكن حسبنا التذكير بتلك الأحاديث التي تؤكد أنه سيأتي زمان تموج فيه الفتن كموج البحر ، وعلى ضفاف هذا الزمان الملحمي تقف رواية "أولاد حارتنا" ، ويوقفنا نجيب محفوظ ليطرح سؤاله الأخطر: ما دمنا أبناء الجغرافيا المقدسة (الحجاز ، فلسطين ، مصر) ، التي اطلعت وأوصلت الديانات السماوية الثلاث إلى سائر أرجاء العالم ، وما دمنا الورثة الحقيقيين لأنبياء هذه الديانات السماوية الثلاث (اليهودية ، المسيحية ، الإسلام) ، فلماذا يتجه العالم من حولنا.. العالم الذي كان جاهلاً فعلمناه وكان غاشماً فأصلحناه وكان وثنياً فهديناه.. لماذا يتجه إلى التوحد والاكتفاء والعدل فيما نتجه نحن إلى التفكك والفقر والفساد؟ ولماذا يتجه العالم من حولنا إلى الاستقرار فيما نظل نحن الأقل استقراراً بل نظل الشغل الشاغل للعالم الذي انقسم من حولنا بين مناصر لجبل ـ موسى وبين مناصر لقاسم ـ محمد ، بعد أن خضنا وخاض العالم معنا أهوال حرب طويلة ضروس باسم الحق في الوصاية على قبر يسوع ـ رفاعة؟
يتبنى نجيب محفوظ ، للإجابة عن هذه التساؤلات ، التراجيدية منظوراً خلدونياً خالصاً متخذاً من مفردات هذا المنظور المحركات الرئيسة للأحداث والأشخاص في "أولاد حارتنا". وأولى هذه المفردات أو المحركات يتمثل في تلك الحتمية أو الدورة الزمنية المغلقة ، حبث لا بد في كل حقبة تاريخية أن تأخذ الأحداث خطاً مستقيماً يسير ببطء ثم لا يلبث أن يتجه إلى الصعود حتى يبلغ القمة والذروة ، ثم يسير مستقيماً ببطء ، ولا يلبث أن يتجه إلى الانحدار ، وهكذا دواليك.
تتوالى هذه الحتمية على امتداد الرواية ، بدءاً من حكاية جبل ـ موسى الذي يفرّ من بطش الناظر ـ فرعون منحازاً لآلام المضطهدين. وتسير الأحداث ، بنا وبه ، وئيدة حتى يعود ليقود هؤلاء المضطهدين في ثورة مظفرة على الفرعون ، لا تلبث أن تتراخى مبادؤها وتعاليمها فيعود الناس إلى ما كانوا فيه من تظالم وتطاحن على الدنيا. ويأتي رفاعة ـ المسيح فتسير بنا الأحداث وئيدة حتى يقتل ـ يرفع وحتى يعود أتباعه لقيادة المضطهدين في ثورة مظفرة على الطغاة لا تلبث ، هي الأخرى ، أن تتراخى مبادؤها وتعاليمها فيعود الناس إلى ما كانوا فيه من تظالم وتطاحن. ويأتي قاسم ـ محمد الذي يهاجر من مكة إلى المدينة منحازاً للمظلومين فتسير بنا الأحداث وئيدة حتى يعود من المدينة إلى مكة ، متوجاً بهذه العودة انتصاراً تاريخياً لا يلبث أن تتنازعه الفرق والتيارات حتى تميل الدولة العربية الإسلامية إلى الأفول.
وثانية هذه المفردات ، أو المحركات ، تتمثل في العصبة أو العصبية حيث يستحيل النصر من دون أتباع مخلصين ، ومن الملاحظ أن هؤلاء الأتباع المخلصين هم ـ على الأغلب ـ من الفقراء والمستضعفين الذين يمتلكون أسباباً وجيهة تدفعهم لتغيير الأحوال.
وأما ثالثة هذه المفردات ، أو المحرّكات ، فتتمثل في الصحراء التي منها دائماً يأتي الخلاص وفيها ترتكب أبشع الجرائم وإليها يفيء الحالمون والمفكرون والمنتصرون والمهزومون. لقد مثلت هذه الصحراء ، على صعيد التاريخ العربي ، مهد الانبعاث العظيم للفاتحين المسلمين وهم على حال الفطرة والبداوة والبساطة ، لكن أبناءهم وأحفادهم الذين تمدينوا ومالوا إلى الدعة ظلوا يصطلون بالموجات المتتالية القادمة من الصحراء بفعل الفقر والجوع والعطش. وما من أحد فكر في وضع حد لهذه الموجات التي كان يمكن أن تتوقف لو تم وقف التصحر ولو تم توطين أبناء الصحراء وربطهم بالزراعة والمهن... فكان أن راحت المدن تقل وتصغر وراحت الصحراء تتسع وتزداد إرهاباً ، فارضة قيمها ومثلها وقسوتها واندفاع مقاتليها.






رد مع اقتباس