|
|
رجل وحجر
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
“كان لي في صبايَ،
حصانان مكتهلانِ،
عصا جدتي . .
ثم . . ظهرُ الهلالْ”
. . ثم جاءت الحرب من جهة البحر، فانكسرت العصا واحدودب ظهر الهلال، ولم يعد لذلك الولد الذي يحب صباح الخميس من شيء سوى أن يراقب دموع جدّه وهو يبكي بصمت في ظل حجر، عندما قالوا له يا حاج إبراهيم . . لقد توفي جمال عبدالناصر .
ذلك الرجل الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، ويصحو مع أول صياح ديك الفجر ليتوضأ ويصلي ويطعم شجرة التين بيديه الشاحبتين ماء على شكل صفائح من الفضة الباردة . . ذلك الرجل الذي كان يذبح خرافه وماعزه للضيف بشبرية بيضاء، ويدنو دائماً ببصره إلى السماء وهو يصلي من أجل موسم جيد من المطر، فلا رزق إلا المطر، ذلك الرجل الذي لم يرَ من العالم سوى قرية النمل ووادي الحجل، ما الذي يدفعه إلى البكاء على عبدالناصر؟ ثم من هو عبدالناصر؟ يسأل جده وهو أيضاً مغرورق العينين، فيقول لحفيده: رجل في بلد بعيد اسمه مصر، يقولون إنه بطل ويريد أن يسترجع فلسطين إلى أهلها . . إذا فعلها فإننا سنغادر قرية النمل، ونعود إلى سرب من النخل بالقرب من البحر .
من أين جاءت الحرب؟
جاءت من جهة البحر وتوجهت إلى اليابسة . أكلت الأخضر والأصفر تماماً كما فعل الجرادُ بنا في عام الجراد .
بعد سنوات طويلة على تلك الصورة التي لا تفارق الذاكرة، ها هو الآن، وقد أصبح شبيهاً بذلك الرجل الجالس في ظل حجر ليس لديه من سبب للبكاء، فالأبطال ذهبوا مع الريح . . يا إلهي كيف يذهب الرجال مع الريح؟
في صباح كل خميس يأخذه حنينه على جناح حصان متخيل إلى ذلك الحجر الذي أنعم بظلاله على رأس الرجل . وذات مرة وهو يتقدّم في العمر تقدّم أيضاً إلى الحجر، وبالطبع لم يرَ سوى صورة الرجل، أما الحجر فبدا صغيراً كأنه تقلّص وانكمش مع الأيام .
من أين تأتي الحربُ؟
إنها تأتي من كل الجهات، ولكي نفرَّ منها لا بد من عودة إلى الطفولة، حيث حصانان مكتهلان عصا الجدة وظهر الهلالْ .