|
|
أجراس الرحيل
يوسف طافش
شمالاً يَرُجُّ القطارُ الدماءَ
ومن ذُروة الروحِ
يهوي بنا رحلةً رحلةً
لا نديم لنا في السديمِ
سوى قهقهاتِ المرايا
وليل يؤرجحنا بين أنيابهِ
شمالاً
ويفجَؤُني حارسُ الصبحِ:
أين المفرُّ؟..
وأنتَ تلوذ بآخرِ سمتٍ
إلى محورِ الأرضِ
أينَ الرحيلُ
وتلكَ مصابيحكَ النائساتُ
على سفْحِ حُزنكَ تقرعُ أجراسها
تعلَّلْ بنصفِ خُطاكَ إلى نفقِ الموتِ
لا فرقَ بين الجهاتِ
إذا الشمسُ دارت عليكَ
وحاصَرَكَ النعيُ في المدن الزائغاتِ
فأنت الدريئةُ أنَّى اتجهتَ
وخَلْفَ البلادِ بلادٌ
تُواريكَ تحت الصقيعِ
لتشعلَ منك المدائحَ والأوسمةْ
تُسافر في غَلَس الجرحِ سراً
ومن برزخ الحلمِ
يأتيكَ سهمُ الخطايا
أَتُدمِنُ هذا الرحيلَ
وكلُّ المحطاتِ أخفتْ عناوينها
في رمادِ الخلايا؟
* * *
إلى أينَ تأخذني
حين يغدو الشمالُ جنوباً
أَعِدني..
فلي طفلتانِ هناكَ
ولي صاحبٌ يكرهُ الحربَ
والحربُ تدفعُ للرملِ جزيتها
رسائلهُ في بريدِ المساءِ تباغتني
صوتُهُ..
كان يجهَشُ تحت قميص الظلامِ:
تعود من الحرب أولا تعودُ
سيُنْكِركَ الضوءُ، سيَّانَ يا صاحبي
فلا الأمُّ أُمّكَ بعد احتضارِ النشيدِ
ولا أنتَ أنتَ
وبينَ المحطاتِ إنْ كُنتَ أنتَ
ستقرأ نعيكَ خلف ضباب الزجاجِ
وتبكي وحيداً
ولا مَنْ يُلوَّحُ فوق الرصيفِ
لظِلِّكَ ظِلٌّ يباعدُ بينَ خطانا
وتسبقني ربما لبلادٍ
تُعِدُّ توابيتنا من سحيقِ النزوحِ
إلى غامض الكونِ
هذا زمانٌ
له سطوةُ الابتهاج بحزنِ الجنازاتِ
يكفي إذا مَسَّكَ الحلمُ
أن ترتدي صورتي
لتعودَ إلى الطفلِ فيكَ
إذا ضللتكَ المرايا؟..
أَفِقْ من سُباتكَ فيَّ
ولَمِلْم بقايا البقايا.
* * *
إلى وعيكَ الآنَ
مِنْ شاهقاتِ المنابرِ تهوي الكوابيسُ
كيف تناسيتَ فصل الشتات القريبِ
وأطفالَ قريتنا الطيبينْ؟..
أتصرُخُ من لوثةٍ
في كهوف الصَّدى المُفزعاتِ
لتُخرِجَ لقمانَ عن صمتهِ
ثم تتلو الرثاء الجميل؟
(إلهي.. لماذا تخلَّيت عنِّي؟..)
قُبيلَ التشرُّدِ
فينا تماهيتَ طفلاً حميم البهاء إلهي
مع الصُّبحِ كُنَّا نراكَ
فضاءً من النور فوقَ المروجِ
يداكَ على الصَّخرِ والبحرِ
صوتُك دِفءُ السماواتِ
كُنّا نقبّلُ زهركَ
بعدَ سجودِ الشُّعاعِ
ونرحلُ في الريحِ
نركضُ خلف قطارِ الغمامِ
فتنهرنا بالمطرْ
ولي آنذاكَ رفاقٌ
يحبونَ هذا المطرْ
كان لي قريةٌ عند سفح ِالسماءِ
تنام على نجمتين ونهرٍ
وتوقظنا بحفيف الشذا
بين آخر بيتٍ وحقلِ أبي
أُغنيات الصبايا تهز البيادرَ
والنار في الليل توقظ أعراسها، دبكةٌ هاهنا..
دبكتانَ
وجدي يُهدهِدُ (مجوزه) الصبيَّ
فما زال جدي قوياً بأنغام مجوزهِ
يعشقُ الأرضَ حتى الجنونِ
وحيناً يغازلُ بعضَ الصبايا
ليثأر من جدتي
كان رأسي على حِجرها آنذاكَ
فهل غار منِّي
لأني حلمتُ كثيراً
ونمتُ كثيراً، ولا ما يخيفُ
زُليخةَ كل العواصمِ
شدَّتْ قميصيَ من دُبُرٍ يا إلهي
ولُقمانُ يغرقُ في صمتهِ
* * *
أأشنقُ ظلي لكي يستريحوا
........؟...
........؟...
قرارُ الظلامِ يساومُ روحي
وقبري يؤرجحني لحظةً
ثم يلفظني
لستُ (يونسَ) حتى أعودَ
وما صلبوني لأُشبهَ صورةَ نعيي
أنا الحيُّ فيكَ إلهي
أُحاولُ هتكَ الحجابِ
وبُوصلةُ النارِ تفتحُ كل الجهاتِ
على صحوةِ الروح فينا
أُحاول هذا الرحيلَ
لوقفةِ عزٍّ كما نشتهيها
ليبقى المخيم بين الرمادِ
جَنينَ الهوى
ليبقى الشمالُ شمالَ الفداءِ
جَنوب الدماءِ
وتبقى (جنينُ) جُنونَ السماءِ
وسِفْرَ القيامةْ.