كَالشّمسِ هَربتْ مِن عرصاتِ النّهارِ ولا يأتِى بعدها إلا الليل الحزين..
كالنّورِ جمعَ خيوطَهُ إلى السّرابِ الفسيحِ - ولنْ يعود -..
كالصّدفِ فى بطنِ البحرِ غابت وسطِ الرمال - الأمواجِ - صعبة المنال!..
دفاترُ العمرِ أنزلتُها مِن علَى مكتبةِ التّاريخِ، أمسحُ عَنها غُبار الهجرِ الذى قدْ لوّث غُلافَها الأنيق، أزيلُ عنهَا التّرابَ الذى قدْ سوّد صفحاتِها الذهبية المُشرقة كالشّمسِ فى وقتِ الظّهيرة!..
أتصفّحها بعينِ الدّهشةِ المميتة، وأستخرجُ مِنهَا المعانى اللؤلؤيّة التى هى كقطعِ الياقوتِ الأحمر المُندثر فى بيداءَ شاسعة الآفاق مهجورة من الجميع - فماذا تُفيد - ؟ هذه المعانِى التى غابت مع الأيّام - الشهور - السنين - القرون - الأحقاب.. رُبما يأكلُ عقلي الجنون أكلًا حِينَ استمراري فى تصفحها لأنّي أترنّم بكلامٍ غير موجود فى دُنيا البشر كأني فِى عالمٍ آخر.
مَعنى مُفتقَد..
قطفتُ لكم مِنْ كَرمَةِ هذهِ الدّفاتر معنى " ثمرة " رُبّما يظنُّ كُلنا أننا هو وأنّهُ نحنُ !
هَذا المعنى الذى أودُّ أن أكونَ مُنطبقًا عليه.. مُنطبقًا علىّ، أحاولُ الصعودَ إلى ثُريّتهِ الشامخة على سُلّمِ الأمل فأهوى فِى دركاتِ الوحلِ، إنّه المعنى الذَى سرى فى دمي سريانًا حقيقيًا يُحاولُ أن يُعطيني نفحةً مِن محلوله الطاهر - النّفيس ولكن وأسفاهُ! دَمِي فصيلتُه أرضية - طينية لا يقبلُ المحاليلَ الإصطناعية, لذلكَ لم يحدث توافق بينَ دمِي وهذا المحلول، وَلَكِنْ! أنا الآن فى سعىٍ حثيث ودئبٍ كبير فى تغيرِ فصيلة دمِي وسيكونُ التغير – بإذنه تعالى – فى عيادة يُقالُ لها "عيادةُ الليلِ" فى مَنطقة يُقالُ لها "سجّادةِ الليلِ" وَسيتمُ التغير فى زمنٍ قَدره "سَجْدة" بدمعةِ أوبة وَصرخةُ أنّة.
فَهل مِن ساجدٍ معي ؟
إنّهُ معنى
" الإنسان "
مازالت الأيّامُ تمرُّ بناسِها على مرآتِها الشفافة الواضحة، تُسلّطُ اشعاعات غير مرئيةٍ تنفدُ فى روحِهم فى بضع ثوانٍ ثمّ ترجعُ وقد حملت الصّور فتطبعهَا على صفحاتِ قلوبنا فنرى أفضل ونفهم أفضل..! وَحينَها يُحددِ القلبُ مَن الإنسان مِن النّسناسِ بعد النّظرِ أيضًا فى دفاتر العمر، ولكن هُناك شئٌ مُزعج وهو: (أنَّ المرآة صادقة) ، فإنّ الباحثَ فى أطواءِ النّاسِ اليوم مُتفقدًا لإنسانيتهم يُفتّشُ عَنها فى حنايا أرواحهم وقلوبهم ، يجدُ الرّوحَ قَدْ غادرت هذا الجسد الشهوانىّ وترت فيهِ - بقايا روح - غادرت إلى دفاتر العمر تستأنس بمعنى الإنسانية هنالك على مكتبة التاريخ!.. ويجدُ القلب تصلّب كأنما أصابهُ حالة تجمّد - تيبّس داخلية فصار شيئًا فى العظم ولا قلبٌ حقيقىّ، يجدُ شيئًا طفحَ على الإنسان فغيّره وبدّله هذا الشئ هو: " المادّية " فصارت المادية عندَ كثيرِ من النّاس تسرى فى دماءهم - عروقهم - شراينهم، وإنّه مِن المعلوم أنّ هناكَ فى الجسد شئٌ يُقال له " كرات الدّم البيضاء " وهى المسؤولة عن إلتئامِ الجراحِ حينَ يصاب الإنسان بشئٍ فى جلدهِ أو شيئًا من هذا القبيل، فَمِن طغيانِ المادية وطفحها فى دمِ بعضِ النّاس صارت هناك كرات جديدة اسمها " كرات الدم المادية " وهى المسؤولة عَن نبت البغضاء فى القلب المتجمّد وزراعة الأشواك فى اللسان المُتيبّس وعَن صنعِ شظايا الحسد فى العين المتحجّرة ، وعن كلّ شئٍ يمسخُ طوية وهيكلة الإنسان .
هَل هُناكَ مِن إنسان أيّتها الأحجار اليابسة المُتحجرّة فى طرقاتِ الدّنيا؟ هل هناكَ مِن إنسان - بقايا إنسان أيّها الراكدون فى وحلِ الأرض؟ هل هناكَ مِن إنسان أيّها النّسانيسُ فى جثمانِ أنس - كما قال سيدنا بن عبّاس؟
هل هناكَ مِن إنسان أيّها الأجساد المتراكمة فى الشهواتِ تلالاً فوق بعضها؟
هل هناكَ مِن إنسان؟ ( أنتظرُ الجواب )
لا يهمّني !
لا يهمّني أن أكونَ مرقومًا على أكفانِ الأوراق أو فى الدروب
" إنسان " ولستُ برقم فى دفاتر المصالح الخاصة برعاية الـ ( ---- ) ولستُ بـ ( رمز )! لا يهمنّي كوني معروفٌ - لا يهمنّي ..
فإن الله ربّ العالمين وصفَ المُتخلّفين عن صراطه المستقيم وعن نور الإنسانية التى جاء بها خيرُ البرية - صلى الله عليهِ وسلّم - أضلّ من البهائم والانعام.. فلا يهمّنى المُسمّى، وإنما يهمّنِي الفعل - العمل
على الحافّة
أيّها الواقفون على أرصفة الإنسانية الهاربون من دنيا البشر تنتظرون إنسانًا مِثلكم - مَهلاً لا تعجلوا لا تعجلوا فإن الإنتظار سيطول وسيطول، وانتظروني أذهبُ فقط ألملمُ أشلاء الروحِ المُبعثرة فى وحلِ الشّهوات وسأركب البرقَ مُسرعًا إليكم حتى ألحق بركب المنتظرين على أرصفة الإنسانية.. فانتظروني..
على الهامش: هناك فرقٌ كبير بينَ مَن يريد تحقيق إنسانيته ، وبينَ مَن يدّعى أنّه إنسان وهو ذئبٌ فى جثمان أنس !