|
|
استثمار الصمت والصخب
خيري منصور
* دار الخليــج
قالها داني روبنشتاين على إحدى الفضائيات وبوضوح لا لبس فيه، إن ما اتخذته حكومة نتنياهو من قرارات لقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء مستوطنات جديدة منها ما هو في محيط القدس جاء استثماراً لانصراف الرصد الإعلامي عما يحدث في فلسطين لانشغاله في بؤر أخرى، منها ما هو داخل العالم العربي، وهو يذكرنا بما قاله نتنياهو ذات يوم وبشكل صريح عن استراتيجية دولته في إخراج المخبوء في الأدراج كلما اشتعلت بؤرة ساخنة في العالم، وذلك تعبيراً غير مباشر عن فلسفة استثمار الظلام، وهي فلسفة كان اللصوص أول من أعلنوها عندما لعنوا القمر في زمن ما قبل الكهرباء وتمنوا لليل أن يكون بلا آخر .
ولا أدري ما إذا كنا بانتظار ما قاله داني روبنشتاين كي نتأكد للمرة الألف بأن أية إغفاءة أو غفلة أو حتى قيلولة عربية هي بمثابة هدية إلى الدولة الصهيونية لأنها تنام كالذئب بإغماض عين واحدة، ومن لديه شعور بأنه سارق يبقى مسكوناً إلى الأبد بهواجس الريبة والخوف وقد ينتهي به الأمر إلى أن يشعر بالرعب من ظله إذا استطال .
يتزامن القرار الذي وقعه نتنياهو وباراك مؤخراً حول قضم المزيد من القدس وما حولها مع تراجع القاضي غولدستون عن تقريره الذي أثار فور صدوره هلعاً في تل أبيب بقدر ما أثلج صدور الباحثين عن عدالة في عالم تحول إلى غابة، وعاد إلى ما قبل حمورابي وكل الشرائع والقوانين .
إن عدواً من هذا الطراز يتطلب حالة من اليقظة الدائمة لأنه يعيش معركة مع الزمن وفي سباقه الماراثوني مع الوقت يعرب من غير أن يدري عن خوفه من المستقبل فهو الكمين الذين يتربص به، وذلك لسبب واحد وبسيط هو أن التاريخ لم ينته بالأمس ولن يربط في اسطبلات أية دولة أو حتى امبراطورية ذات يوم .
لقد حولت الصهيونية منذ نشوئها مصائب العالم كله إلى فوائد لها، واستغلت كل المناسبات حتى لو كانت كارثية لمصلحة مشروعها، وبقدر ما استفادت من ركود الواقع العربي وخموله السياسي تحاول الآن الاستفادة من الصخب الذي يقترن بحراكه العنيف والمستمر .
لهذا يصلح المثل القائل، إن المنشار يأكل صاعداً وهابطاً على هذه الدولة، فهي تريد الوقت بأي ثمن، لكنها أحياناً تحصل عليه بالمجان ومن دون مقابل، كما حصلت مؤخراً على تراجع غولدستون عن تقريره وعلى مساحة جديدة للاستيطان، رغم كل الأصوات الدولية التي تعالت من أجل تجميده على الأقل ولو لبعض الوقت .
العرب مطالبون تاريخياً بأن يكون الوعي بهذا الاستثمار لصمتهم وصخبهم على السواء مشحوذاً على الدوام، كي لا تتحقق لهم انتصارات محلية على صعيد التغيير ثم يكتشفون بعد فوات الأوان أنهم خسروا كثيراً في ذروة الانهماك بإحصاء الغنائم على بعضهم وليس على أي عدو آخر .
ولا ندري لماذا لم يسبق محللون ومعلقون من العرب رغم وفرتهم وفائض فضائياتهم كاتباً مثل روبنشتاين لافتضاح هذه الفلسفة الانتهازية التي تدفع نتنياهو إلى استثمار ما يجري في المنطقة كي يواصل انتهاكاته للأرض والإنسان والمقدسات .
فهل ما يعوزنا كعرب الآن هو الرؤية البانورامية القادرة على استشراف المسرح من كل زواياه؟ أم أن اليأس أصاب الأكثرية بعد أن تأكد لها بأنها تصرخ في العراء . ويعود لها صدى الصوت مبحوحاً ومبلولاً بالدمع والدماء .