|
|
ما أكثرهم وما أقلّهم
خيري منصور
* دار الخليــج
من حق القارئ أو المشاهد العربي الآن أن يعدّ مع الشاعر القديم الإخوان لكثرتهم لكن من حقه أيضاً أن يردد معه الصدى، وهو لكنهم في النائبات قليل، فما أن تهب العواصف في آفاق هذا الوطن العربي الذي قد يتماوت أحياناً كالبعير لكنه لا يموت حتى تختفي أصوات كانت تملأ الدينا وتشغل الناس، لأنها مكرسة للسّراء فقط إن كان لنا سّراء أم الضّراء فهي مطوبة حتى آخر زفرة لفقهاء موسميين .
وهؤلاء يشبهون حفار القبور الشهير في قصيدة بدر السّياب، وهو الرجل الذي لا يأكل إلا عندما يموت الناس، لأن زبائنه هم من الموتى فقط، وحين يشح الموت لسبب ما فهو يجلس شاخصاً إلى السّماء لعلّ عزارئيل يُنَقذه بعشاء أو غداء أو كساء .
ولو كان هؤالء الثرثارون الذين يقولون كل شيء من أجل أن لا يقولوا شيئاً محدداً أقماراً لقال العربي التائه الآن . . “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر” . لكن الحكاية غير هذا وذاك، إن لها جذوراً عميقة في تاريخ ثقافة طالما أكلت بعضها . وربطت كالعربات إلى خيول السياسة والأيديولوجيا والمصالح العابرة، وإذا كان شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة” الذي ساد وصال وجال قُبَيْل حرب حزيران قد استخدمه البعض ذريعة لاحتكار المنابر وكل ما له صلة بالتعبير فحولوه من حق يراد به حقوق إلى باطل يراد به أباطيل، فإن ما يحدث الآن هو طبعة منقّحة من ذلك الشعار المُلْتبس فمن يتولون الكلام هم الأعلى صوتاً لا الأعلى فكراً ومعرفة، لأن الإيقاع الفضائي ماكر، بحيث لا يعطي سوى دقائق وأحياناً دقيقة لمن يدلي بدلوه، فإن تلفيق ثلاث أو أربع عبارات ليس باهظ التكلفة، ولا يتضح الخلل في عيّنة كهذه، لأنها أشبه بحذاء طفل يصعب رصد الأخطاء في تصميمه وصناعته .
أين يذهب محترفو التنظير والمواعظ عندما تأزف لحظة اختبار ما يعلنون؟ وهل يلوذون بالصّمت أو الفرار لأن العصي الآن لا تمسك من الوسط؟
فمن ارتهنوا لنظم هي الآن في طور الاحتضار يخشون من عودتها بعد إدخالها إلى غرف الانعاش . لهذا لا يريدون توريط أنفسهم بمواقف تقطع الأرزاق . ولأن الصّمت لا يترجم إلا تبعاً للنوايا فهو قابل للتوظيف بأثر رجعي، بحيث يكون مع هذا الطرف وضده في آن واحد . ومع الطرف الآخر وضده أيضاً في الوقت ذاته .
ومن انفقوا ثلاثة أرباع العمر للتأهيل والتدريب على معرفة من أين تقضم الاكتاف كان الربع الباقي من أعمارهم هو المجال الحيوي لتجريب تلك المهارات، أما الحقيقة وهاجس البحث عنها فهي في كوكب آخر، وليس في مكان آخر فقط، كما يقول ميلانو كونديرا .
مامن مرّة اشتعلت فيها الحرائق وحجب الدخان الآفاق كلها إلا وبقي الميدان مفتوحاً فقط للأعلى صوتاً، والأكثر انفعالاً . لأن من يفكر بعقله وليس بقلبه فقط يصبح بليداً وبارد الروّح ويغرد خارج السّرب، وأحياناً يُنبذ كبعير أجرب أو كشاة سوداء في القطيع .
والسؤال الجذري الذي تنبني عليه المعادلة كلها يجري التهرب منه . وهو ماذا صنع الثوار العرب ببلادهم وشعوبهم وأنفسهم أيضاً لعقود خَلَتْ ومَنْ منهم يتذكر البيان الأول الذي ألقاه على ظهر دبابة في ظهيرة صيفية قائظة؟
قالمفارقة أن معظم ثوارات العرب وانقلاباتهم كانت صيفية وبالتحديد تموزية، لكن الأحفاد أرادوا لثوراتهم أن تكون في عزّ الشتاء وتبدأ مع رأس سنة عربية في تقاويم جديدة .
وبعض الأسئلة لا قيمة لها إن لم تتحول إلى مساءلات . تماماً كما أن الوعي لا قيمة له، إذا كان للعرض فقط، أو يستخدم على نحو معكوس ليعمق التجهيل ويبرر الأخطاء وهو غالباً تبرير مدفوع الأجر .