من عُصاب الهوية الى رُهابها!
خيــري منصــور
* القدس العربـي
أتاح انتهاء الحرب الباردة، التي كانت بديلا لحرب كونية ثالثة على ذلك النحو الذي لم تدم فيه فترة الاحتضار طويلا، الفرصة لاندلاع المكبوتات الاثنية في العالم، بدءا من النطاق السوفييتي، وقد استشعرت هذا مرّتين على الأقل في ذلك النطاق الذي كانت قشرته الفولاذية ما تزال تحجب ما يدور في باطن الامبراطورية من صراع الصفائح، لكن على صعيد ايديولوجي وليس جيولوجيا رغم ان العثور على تشابه بين الحراكين الفيزيائي والتاريخي ليس متعذرا ولو على مستوى رمزي قابل لعدة تأويلات.
في طشقند جلست بجوار رئيس اتحاد الكتاب الاوزبكيين قبالة تمثال لمكسيم غوركي، وكان الرجل مسلما يعرف العربية وعمل كما اخبرني في تلك الايام في العراق خلال الخمسينيات من القرن الماضي لكن بعيدا عن مهنته، فقد كان موظفا في معمل للزجاج، واذكر انه قال بصوت هامس انه يقدر غوركي ويعترف بمكانته، لكن هذه القاعدة التي يرتكز اليها تمثال ربما كانت من جذع شجرة عجوز في اوزباكستان وهي تحن الى تمثال لكاتب اوزبيكي، وان غوركي ولينين وحتى ماياكوفسكي لا تنقصهم الانصاب والتماثيل في ميادين موسكو.
وفي سمرقند اثار دهشتي ما سمعته من عجوز تبيع الزبيب والجوز والمحاصيل السمرقندية، عندما أغلقت نافذة الدكان في وجه المترجمة الروسية ذات الملامح السلافية التي كانت معي، ثم فتحت النافذة ثانية وسألتني: مسلمان؟ وهي تعني هل انت مسلم، وحين قلت لها نعم، أخذت حفنة من الزبيب والجوز وقدمتها لي هدية، عندئذ علـّقت فيرانيكا المترجمة الموسكوفية والتي كانت بالضرورة على صلة بالكي. جي، بي، شأن معظم ان لم يكن كل العاملين في هذا المجال قائلة: هذه عيّنة نموذجية من فشل الاتحاد السوفييتي. ولم أعلّق بدوري، لكنني قررت طيلة شهر في موسكو ان ارصد مثل هذا التحول في بواكيره، وكانت البيروسترويكا التي سماها بعض الشيوعيين ساخرين فلسفة اعادة الهدم بدلا من اعادة البناء تطرق البوابات الكبرى لامبراطورية ذات سقف ايديولوجي، وجدران بدأت تتصدع!
لم يمر كثير من الوقت حتى اندلعت الهويات الهاجعة من قماقمها في الجمهوريات التي كانت حبلى بحمولة باهظة من الاشواق القومية والهويات الجريحة التي تبحث عن ظروف تتيح لها الالتئام ... ومنذ ذلك الوقت اصبحت الهوية هاجسا في عالمنا وعلى امتداد تضاريسه وخطوط الطول والعرض فيه، واصدر كاتبان امريكيان موسوعة اطلق عليها اسم انسايكلوبيديا الاقليات، تضم اكثر من مئتين وأربعين أقلية في كوكبنا تتهيأ للثأر من الصمت المزمن والقسري احيانا تحت خوذة الدولة القومية الثقيلة .. ولم يبدأ التعبير عن هذا الهاجس سياسيا وعلى نحو مباشر، بل كالعادة بدأ فولكلوريا ثم تفشىّ في مناخات الثقافة وتحول الأدب الى مجال حيوي للتنفيس عن هذا المكبوت شعرا وقصة ورواية ومسرحا.
* * * * * * * *
سرعان ما شعر مثقفون من مختلف القارات بهذا التحول ومنهم من شمّ رائحة الحروب الاثنية والعرقية عن بُعد لأنه لم يصب كالاخرين بالزكام الناجم عن انفلونزا الايديولوجيات، وكان التزامن مثيرا بين ما صدر عن الهوية في باريس وواشنطن ثم لحقت بهما عدة عواصم. ...
كتب الايراني داريوش بالفرنسية كتابين هما بشكل او بآخر مكرسّان لعصاب الهوية او رهابها، الأول هو 'ارهاب الهوية' والثاني بعنوان 'النفس الموتورة'، ثم صدر كتاب اللبناني الذي يكتب بالفرنسية ايضا أمين معلوف بعنوان 'الهويات القاتلة'، ولم يكن كتاب الاكاديمي العربي في امريكا د. نديم البيطار بعنوان 'حدود الهوية القومية' الا تلبية اخرى لهذا الهاجس رغم ان سجاله مع اطروحات ادوارد سعيد استغرق جزءا كبيرا من الكتاب ...
توصيف داريوش لما سماه 'ارهاب الهوية' مقترب مغاير لما حاول أمين معلوف ان ينتقل به من التوصيف الى التحليل توصلا الى كيمياء الهوية. داريوش ايراني يكتب بالفرنسية، ولديه من الاشكاليات ما هو اقل مما يعترض معلوف، لأن أمين معلوف عربي لبناني ومسيحي، لكنه ايضا فرنسي يقاسم السياق الذي يعيش فيه ما هو ابعد من اللسان، وبالنسبة لمعلوف كان التعايش بين حزمة من الهويات ممكنا عبر الدمج كبديل حضاري ومعرفي للاقصاء او الانكفاء. واذا كانت الهوية في أدنى تعريفاتها العرقية خانقة، فإن ما هو نقيضها والخلاص بل الشفاء من عصابها هو تلك الكيمياء المعلوفية، فالهوية الخانقة او القاتلة اختزالية، تعزل الكائن عن مجمل سياقاته المعرفية والانسانية في هذا العالم وتسجنه في شرنقة قد يبقى فيها مجمدا عند طور العذراء اذا صح لنا ان نستعير هذا الوضع من دودة القزّ مثلا، وحين نعود الان لقراءة اطروحة نديم البيطار ذي الجذور القومية حول حدود الهوية نجد انه يلوذ بالتاريخ خصوصا القريب منه ويستحضر عشرات الامثلة عن تشكّل او صياغة هويات في الغرب والشرق، ولأنه ملدوغ من جحر حزيران (يونيو) وهزيمته شأن معظم العرب الذين يعيشون في المهجر فقد أحسّ بالعمق بأن الهوية التي يحملها او تحمله جريحة، لهذا لا بد ان يبدأ الضماد من تعقيم الجرح اولاً وسرد العديد من الأمثلة عن أمم هزمت ثم حوّلت هزائمها من معوقات الى رافعات لنهضتها كاليابان!
* * * * * * * *
ان البحث عن تجليات او انعكاسات عصاب الهوية في الثقافة وأنماط التعبير يتطلب اولا تحديد اطار تاريخي لهذه الظاهرة، فهي لا تكون الا في خريف الامبراطوريات ذات الخوذة الايديولوجية او في خريف الدولة القومية بعد ان يفقد نشيدها صداه ...
وفي العالم العربي اصبح عصاب الهوية مرئيا بوضوع وقابلا للرصد عبر مختلف اساليب التعبير عنه بعد غزو العراق، اذ سرعان ما اندلعت الهويات الصغرى او ما يسمى بالهويات الفرعية لتعلن العصيان على هوية كبرى كانت للتو هي الهوية الام، او هذا على الاقل ما كان الاعلام يبشر به.
ولأن النقد العربي بمختلف حقوله وانماطه بلغ في العقدين الاخيرين مرحلة آسنة من الخمول والاستنقاع، فهو لم يرصد مثل هذه الظاهرة وما صاحبها من تحولات، فعلى سبيل المثال فقط لم نقرأ قبل عقدين نصوصا مدججة بهاجس الهوية سواء كانت افرازا طائفيا او عرقيا، وبدت بعض المعالجات للهوية في بعدها الثقافي كما لو انها تثأر من قرون كانت خلالها هاجعة في الباطن ولا تجد تعبيرا او بمعنى أدق تنفيسا الا في الفولكلور ومعظمه شفوي وشبه سرّي.
* * * * * * * *
ساهمت النظم العربية على اختلاف المناهج والشرعيات الملفقة في تكريس الهويات الصغرى، وقد تجلى ذلك مرتين على الاقل ومن خلال مشاهد مُتلفزة المرة الاولى عندما تعاقبت هذه النظم في اعادة ترتيب الاولويات لترى ما هو قومي ومشترك ومتعلق بالهوية التاريخية آخر ما يمكن التعامل معه، وذلك على طريقة 'أُنجُ سعد فقد هلك سعيد' رغم ان سعيدا وسائر السعداء لم تتحقق لهم النجاة وجاء الدور لقطيع الثيران بمختلف الوانه بعد ان سقط الثور الأبيض، والمرة الثانية في ذروة هذا الحراك الرّاعف الذي توشك الأرض ان تميد فيه تحت ملايين الأقدام... فهتافات فلول النظم تقتصر على ثلاثة أقانيم جديدة هي اسم الرئيس واسم البلاد و 'بس' .. أي فقط، وليأت بعد هؤلاء الطوفان. الاقنوم الثالث المحذوف هو الشعب ذاته، بمجمل مكونات ذاكرته التاريخية وثقافته التي لا تقبل مثل هذه الخصخصة التاريخية، والاحتكام فقط الى التضاريس السايكس- بيكوية وطبعاتها الجديدة التي لم يرق لها من رياضيات السياسة كلها غير الطرح والقسمة ...!!!