مسارح بديلة!!
خيري منصور
* القدس العربـي
ما أعنيه بدءا بالمسرح ليس الخشبة بمعناها التقليدي، بل الواقع برمّته عندما يتحول الى حفلة تنكرية، بحيث تنوب السياسة مثلا عن الفن في تقديم مشاهد دادائية وسوريالية ومما سمي مسرح العبث او اللامعقول.
واذا كانت حقبة ما بين الحربين العالميتين في اوروبا هي ما افرز هذه التيارات الفنية والادبية، احتجاجا على حروب رأى البعض انها مجانية، فإن العالم العربي رغم كل ما مرّ به منذ قرن بقي محافظا على حالة من الاستنقاع، وكان السياسي فيه مرادفا او موازيا للأدبي، ورغم فداحة هزيمة حزيران (يونيو) عام 1967 احتفظ الأدب والفن بالوقار التقليدي، وما كان يجب تقديمه سورياليا في الأدب والمسرح بالتحديد تولته السياسة والاحزاب الهلامية، لهذا سيجد مؤرخ الادب بعد حين ان ما كان من صميم الثقافة والابداع اختطفته السياسة وقام الجنرالات بالدّور غير المنوط بهم على الاطلاق عندما لم يجد معظمهم من يكاتبه حسب عنوان شهير لماركيز، وناءت صدورهم بأوسمة عن معارك من طراز تلك التي وصفها احمد شوقي في مسرحية كليوباترا حين قال: 'ظفر في فم الأماني حلو، لكن لم يكن لهم فيه قُلامة ظفر، ومقابل مسرح وقور وأدب لم يغادر كلاسيكيته الا من خلال قشرة جمالية، كان الواقع الاجتماعي والسياسي يواصل افراز مشاهد سوريالية، منها للمثال فقط ان اعدادا غفيرة من الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في الخليج وخارج بلادهم بشكل عام حضروا عام 1967 ليأخذوا عائلاتهم وأبناءهم عبر الجسور الى منافيهم، بدلا من العكس، وفي مصر وسورية والعراق بدأت النكات السياسية السوداء تنال من العسكر والضباط بالتحديد، وبدت المسألة كما لو ان وباء ماسوشيا قد انتشر في العالم العربي، اخذ الناس بعده وبسببه يتلذذون في جلد ذواتهم والسخرية من كل مكوناتهم القومية، واذكر على سبيل المثال ان اكثر تلك النكات انتشارا في حزيران (يونيو) كانت عن الطفل الذي يزحف وهو يتعلم المشي الى الوراء بحيث يقول للناس عنه انه سيصبح ضابطا!
وما قدم من نقد ذاتي للمجتمع العربي في تلك الآونة قد تلخصه عبارة للدكتور صادق جلال العظم في كتابه 'نقد الفكر الذاتي بعد الهزيمة'، حين قال ان هذا المجتمع تحول الى سلحفاة فقدت صدفتها فجأة وأصبح بإمكان قطرة مطر ان تخترقها حتى النّخاع! وحين قام د. حليم بركات وعدد من طلابه بدراسة ميدانية في مخيم زيزياء للاجئين وجد ان اجابات اكثر من سبعين بالمئة من العيّنات تتلخص في كلمتين فقط، هما شَرَدنا بعرضنا، وكأن الارض وما عليها ليست عرضا وفق تقاليد عربية صحراوية لا تقيم وزنا للمكان!
* * * * * * *
قد تكون مسرحية 'حفلة سمر من اجل الخامس من حزيران (يونيو)' للراحل سعد الله ونّوس من أبرز وأهم ما كتب عن تلك الهزيمة، لكنها احتفظت ايضا بوقارها المسرحي رغم ما يتخللها من كوميديا سوداء، اما الشعر والروايات والقصص وحتى الرسوم التي سادت في تلك الآونة فهي من النمط الماسوشي ذاته، الذي يوزع الادانات بالتساوي على الجميع، بحيث تكون حصة المواطن العادي منها كحصة الجنرال، ومنها 'هوامش على دفتر النكسة' لنزار قباني وقصائد لعبد الوهاب البياتي وآخرين، وفي احدى قصائد الراحل البياتي تحملت ام كلثوم بأغانيها الشجية الطويلة عبء الهزيمة!
وأطرف ما في الأمر ان الفن التشكيلي في معظم اسهاماته سجن الفلسطيني في صورة لا تخلو من كاريكاتورية، فهو حامل صرّة تنوء بها شيخوخته وهو يقطع نهرا، وهو بالتأكيد نهر صغير يفصل بين الضفتين، شرق الاردن وغربه، وليس نهر هيراقليطس الذي لا يقطع مرتين!
ما كان يجب ان يتحول الى انفجارات ابداعية في الأدب والفن، هاجر الى الواقع ببعديه السياسي والاجتماعي، ولا أظن ان هناك مشهدا دادائيا او سورياليا يصل الى ما وصلت اليه بعض المشاهد السياسية، ومنها ان العرب انتصروا في حزيران (يونيو) لأن زعماءهم لم يقبض عليهم وبقيت النظم صامدة، وكأن اسرائيل والصهيونية كلّها لم يكن لها من اهداف الا ادخال جنرالات وقادة مهزومين الى الأقفاص!
اما احدى مسرحيات اللامعقول والتي تتجاوز في عبثيتها مسرحيات يوجين يونسكو وأرابال وبيكيت وسائر السلالة فهي تلك التي جعلت اللاجئين ضيوفا على نازحين، بحث اصبح على اللاجىء ان يتحول من لائذ الى ملاذ كما حدث في بيروت السبعينيات واوائل الثمانينيات من القرن الماضي.
ومن فصول هذه المسرحية السوريالية التي قدمها الواقع السياسي ولم يجازف بها المسرح الأدبي ان اللاجىء الذي كان يتهيأ للعودة من نابلس الى يافا وجد نفسه في عمان او دمشق او بغداد، وقد تحول الى ما يشبه طائر نقّار الخشب، ولهذا الطائر لمن لا يعرفه منقار حاد وطويل يوشك ان يكون اطول من جسده وهو يمكث شهورا في نقر جذع شجرة كي يبني عشا لفراخه، وما إن يفرغ من البناء حتى يفاجأ بطائر جارح ينقضّ على العش ويلتهم ما فيه ثم يحتله !
* * * * * * *
ان كل ما جرى خلال ستة عقود على الاقل من حياة العرب السياسية كان مجالا حيويا لأنماط غير مسبوقة من مسرح العبث والسوريالية... ولدينا مثال طازج الآن، ففي عام 1911 دفع الليبيون نصف عددهم ثمنا للاستقلال لكنهم كانوا على موعد بعد قرن كامل كي يخسروا ثلاثة ارباع عددهم كي يستقلوا عن بعضهم هذه المرة وليس عن ايطاليا بل بمعونتها.
والمثال الاخر الذي يختزل مفارقة كبرى في تاريخ اشبه بحفلة تنكرية، هو ان عبد الناصر بكل ما يعنيه عربيا وبثورته ومنجزاته كان ضابطا في جيش الملك فاروق، بينما كان من بددوا منجزاته وانقلبوا عليها ضباطا من جيشه الجمهوري!
أليست هذه النماذج مادة خاما او قماءة نموذجية لمسرح سوريالي وعبثي، قد تصبح معه مسرحية 'المغنية الصلعاء' ليونسكو مجرد عمل تقليدي معقول؟
نذكر مثلا ان فرنسا اثناء الاحتلال النازي شهدت مسرحية من هذا الطراز السياسي عندما تولى المارشال بيتان حكومة فيشي في ظل الاحتلال وبوصايته لكننا لم نقرأ ولم نسمع احدا يقول في تلك الايام ان فرنسا احتلت من اجل ان تحرر، كما حدث في العراق عندما طرح للمرة الثانية في التاريخ الحديث مفهوم الاحتلال من اجل الاستقلال والتحرير، اما المرة الاولى فقد كانت الحرب الفيتنامية عندما اطلق ضابط امريكي شعار تدمير قرية فيتنامية بالكامل وابادة كل ما هو حي فيها حتى الماء ... من اجل تحريرها!!!!
* * * * * * *
واقعنا المجنون والسوريالي في معظم مشاهده اليومية بقي هناك، على الشاطىء الآخر، اما وسائل وأساليب التعبير عن هذا الجنون فهي عاقلة وبالغة الوقار لهذا علينا ان لا نتعجب اذا رأينا المثقف العربي يصحو من النوم مذعورا على ثورة في ميدان او على بلد عربي يحتل بلدا آخر او على مارشالات من طراز بيتان يحققون الاستقلال تحت اعلام المارينز وبما ترسمه ذيول الفانتوم من تضاريس للفضاء!
* * * * *
كم نحن عقلاء... وكم هي حياتنا مجنونة، والأغرب من هذه المفارقة هو تجاهلنا لها، فما يجري لنا لا يخصّنا الا بقدر ضئيل له صلة بالاكل والوظيفة وما يطرأ على اسعار العملات المتدنية القيمة، فالدم نفسه اصبح موازيا لهذه العملات، لأن دم العدو بالعملة الصعبة لهذا تستبدل ذراع مبتورة لاسرائيلي بكتيبة عربية...
بقي ان نقول لأندريه بريتون وأراغون ويونسكو وبيكيت وسلفادور دالي بأن من تجاوزكم ليس المثقفون والمبدعون العرب، بل الجنرالات ومن يلعبون بهم كالبيادق ... وهذا بحدّ ذاته يتطلب الاعتراف العالمي ببراءة اختراع عربية!!!