من الانقسام إلى الاقتسام

خيــري منصــور

* دار الخليج



تفرغ كلمة الاقتسام من كل حمولتها التقليدية عندما تتعلق بالوحدة الوطنية، فما يجري اقتسامه في هذا السّياق ليس مالاً أو مكتسبات مادية بل هو الأعباء، وما يسهم فيه كل طرف أو حتى فرد في بناء مشروع قومي حالت عوامل عدة ضد الشروع في بنائه منذ ستة عقود على الأقل، وما عاناه الفلسطينيون من انقسام طيلة الأعوام العجاف التي كانوا خلالها بأمسّ الحاجة إلى الالتئام الوطني يتحول الآن إلى اقتسام للمسؤوليات الوطنية وليس للسلطات أو الوزارات والمؤسسات والميزانيات، ذلك لأن العمل الوطني الفلسطيني الذي عطل تلك الأعوام تحول إلى ما يشبه المديونية التاريخية والتي يتطلب تسديدها للشعب الفلسطيني وقضيته مضاعفة الجهود، وهذا هو الاعتذار السياسي والوطني بل الأخلاقي عن تلك البطالة التي تضرر الجميع منها، وقبل أن يكون الحديث عن اقتسام الكوادر والبحث عن المنشأ الأيديولوجي أو الجغرافي لهذا الوزير أو ذاك، يجب أن يتجه إلى مكان آخر، هو الكفاءة أولاً، والسيرة الوطنية والقدرة على عبور كل الحواجز النفسية التي أوشك الانقسام أن يكرسها، وحين تكون الحمولات باهظة كما هو الحال في الشجن الفلسطيني المزمن والذي لن يتحول إلى مجرد شأن إلا بعد الخروج من عنق زجاجة الاحتلال فإن اقتسام هذه الأثقال يتطلب منافسة وطنية محررة من كل شوائب الشخصنة والحسابات الصغرى، وقد يليق بهذا المشهد الفلسطيني الذي تجاوز التراجيديا بمراحل ما كتبه سارتر في أربعينيات القرن الماضي وأثناء احتلال فرنسا في مسرحية رمزية عن الحرية، وكان قد صور الإنسان يتأبط صخرة ثقيلة، وهو يقطع نهراً، فهي قد تعوق حركته لكنها في النهاية عبء الحرية الذي لا بد من احتماله .

والفلسطينيون الذين انقسموا لفترة هي مجرد جملة اعتراضية في كتابهم الوطني، يقتسمون الآن وعلى بعد أيام فقط ذكرى هي الأغلى والأدعى إلى الحزن والغضب معاً، وهي ذكرى النكبة التي تحولت إلى الوجه الآخر لما يسميه عدوهم الصهيوني ذكرى الاستقلال .

ثلاثة وستون عاماً هي عمر فلسطيني أخطأه الرصاص وضلت فرق الاغتيال الطريق إلى خندقه، وهي أيضاً عمر الحلم الذي نصبت له كمائن بعدد الفلسطينيين كلّهم، إنه عمرّ من الأشواق التي كُظمِت حيناً لكنها لم تنطفئ لأن الجمرة في عمق الذاكرة، والوشم الرسولي في القلب .

هل يكفي أسبوع واحد أو عام كي يتحول الانقسام إلى اقتسام؟ أم أن مثل هذه التحولات التاريخية لا تخضع للتقاويم، وتضطر أحياناً لحرق المراحل بحيث تطوي آلاف الليالي المظلمة والباردة وتقفز إلى موعدها مع قيامة وطنية لم تعد تقبل التأجيل . .

ولأنها قضية ليست معلقة في الفضاء خارج مدار الجاذبيات الإقليمية والدولية، فإن ما يحيط بها الآن من حراك عنيف وما يشكل سياقها التاريخي لا بد أن يكون عاملاً حاسماً في الإسراع بعملية اقتسام العبء لا التركة ولا المنصب أو أي شكل من أشكال المحاصصة الفصائلية، وقد يكون من حسن الحظ أن أعوام الانقسام لم ترسخ ثقافة تهدد الذاكرة، لأن الشعب الفلسطيني كان طيلة سنوات الانقسام يقف على الشاطئ الآخر، ويصرخ ويحذر من نتائج هذا الانتحار الوطني .

وقد لا يتوقف الاقتسام كبديل للانقسام عند الفلسطينيين وحدهم، فالعالم العربي برمته أصبح بأشد الحاجة إلى هذه الكمياء الدفاعية الحاسمة .