«حبي الأول» لسحر خليفة.. أعلت من شأن البطولة الشعبية وخرجت على نمطية الكتابة النسوية
* الدستـور الاردنيـة
وصف الناقد د. فيصل دراج أعمال الروائية سحر خليفة بأنها استطاعت الربط، بشكل وثيق، بين حركة النضال الوطني وحركة تحرر المرأة، في فلسطين، رغم إعلان تحفظه على هذه المقولة، واعتبارها غير صالحة للتعميم، دائماً. جاء ذلك في ورقة د. دراج، التي ألقاها ـ مساء أمس الأول ـ ضمن فعاليات المؤتمر الثقافي، الذي تنظمه دارة الفنون ـ مؤسسة خالد شومان، وتخصصت الفعالية بتقديم قراءة في أعمال الروائية سحر خليفة، متخذة من روايتها «حبي الأول» نموذجاً.
وقال د. دراج إن المهزومين والمحبطين هم الذين يعودون إلى التاريخ لكتابة رواياتهم، على اعتبار الرواية عملاً يناقش الحاضر ويطرح أسئلته، واصفاً التاريخ بأنه ذاكرة تسعى إلى الإجابة عن الحاضر الملتبس، وأن من يعودون إلى التاريخ إنما يسعون إلى قراءته وتأويله، ومن ثم رفضه، ومؤكداً أن التاريخ الفلسطيني غير قابل للرفض، سواء في كتابات سحر خليفة أم غيرها، من الأدباء الفلسطينيين.
وأضاف د. دراج أن رواية «حبي الأول» هي من أفضل ما كتبه الروائيون الفلسطينيون، بعد جيل الرواد، وهي رواية أخرجت القارئ من عالم تسوده الإيدولوجيا ومواقف الأحزاب، وأعلت من شأن البطولة الشعبية؛ أي بطولة المواطنين العاديين، خاصة أنها تأتي في زمن يعيش فيه المواطن حالة من الإحباط، وظلت رواية متفائلة، في مضمونها، ورسالتها الوطنية والإنسانية.
واعتبر د. دراج أن قراءة سيرة القائد الفلسطيني، الشهيد عبد القادر الحسبني، في هذه الرواية، إنما هي محاولة لتقديم سيرة أبطال مغايرين، وهذه القراءة تقدم ما يمكن وصفه بالمجاز المزدوج، الذي ربط ـ بشكل واضح ـ بين العام والخاص، وقدم عدداً من الشخصيات، في الرواية، التي كان لكل منها دورها وحركتها الواضحة.
من جهتها توقفت د. رزان إبراهيم، في ورقتها، عند ثلاثة محاور في الرواية، وهي: هاجس الزمن؛ والعلاقة بين الذاتي والمتخيل؛ وصورة المرأة، مؤكدة أن هذه الرواية تكتسب أهميتها من أنها تلبي إحساساً كبيراً، لدى كثير من المثقفين العرب، بضرورة العودة إلى جذور القضية الفلسطينية، والعمل حثيثاً على إنعاش الذاكرة الفلسطينية؛ فالرواية تصور جزءاً من ملحمة مأساوية استمرت أكثر من ستين عاماً، تؤكد أن التاريخ هو ما نكتب لا ما قلناه وخبأناه في صناديق القلب المغلفة.
وأضافت د. رزان أن الرواية ـ عبر بطلتها الرئيسة ـ تعود إلى زمن الثوار، عبر سرد موضوعي ارتكز على خلفيات زمانية ومكانية معينة، أرادت الروائية من خلالها أن تقول إن الثورة ـ كما الحب الأول ـ حالة حلمية جميلة لم تكتمل حين اصطدمت بالواقع، لكنها لا تمحى ولن تمحى؛ ففي خضم واقع سياسي يفرض حالة من اليأس وواقع آخر أخلاقي يأمر بالتحريض، لا بد من إلغاء الواقع واستبقاء الأخلاق، لذلك تكبر الرواية قلوباً صمدت كالصخر، ورفضت الاستسلام، رغم واقع سياسي خرب، وفي مقدمة هذه القلوب يحضر عبد القادر الحسيني، شهيد معركة القسطل، بما يمثله من صوت عربي شريف مات ميتة الأبطال، مشيرة إلى أن الرواية حافظت على وقائع لا تذوب في منظومة المتخيل الروائي، كان الأبرز فيها ذلك الحوار الذي جرى بين الحسيني ومجموع القادة العرب، في الشام، وهو الحوار الذي يدعو القارئ إلى الاستغراق فيه، وتأمله من زوايا عدة، علماً أن المادة التاريخية ـ بشخصياتها الواقعية: عبد الرحيم الحاج محمد، الحسيني ـ بمجرد أن أصبحت موضوعاً للسرد، باتت جزءاً من تكوين فني ينسجم ومفردات الرواية. كذلك كان للمتخيل الروائي، بتركيزه على تفاصيل جزئية دقيقة، في المشهد السردي، دوره في تعميق الإحساس بواقعية الحدث.
وحول المرأة ودورها قالت الناقدة إن المرأة برزت ـ في هذه الرواية ـ وقد تفاعلت مع الواقع، على نحو نشط، ووضعت لها معايير جمالية مختلفة عن كتابة سائدة شاءت أن تكون المرأة فيها جميلة من الخارج، قبيحة من الداخل. يذكر لهذه الرواية أنها تدخل في إطار كتابة نسوية تتورط في الحياة بقضايا عميقة، وتكف عن الخوض في غمار المرأة التي تكتب جسدها. ولعل ما قدمته هذه الرواية، من نماذج نسائية قوية تغاير ما هو نمطي متداول، يجعلنا نقول إنها تتحدى زفرة العربي الأخيرة حين يستذكر أبا عبد الله الصغير: «ابك، مثل النساء، ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه، مثل الرجال».
وقدمت الروائية سحر خليفة إيضاحات مهمة حول علاقتها بالكتابة، مؤكدة أنها بدأت الاهتمام بقضايا العمال الفلسطينين منذ كانت طالبة في جامعة بيرزيت، واضطرت لمعايشتهم لتتعرف إلى ظروفهم وحياتهم من الداخل، وقد اتخذت هذا النوع من الكتابة منذ مطلع السبعينات.
وقالت إن اختيارها شخصية القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، وشخصية القائد الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد (أبو كمال)، إنما جاء لتؤكد أن لدى الشعب الفلسطيني قيادات تستحق الاعتزاز، خاصة ونحن نعيش أمام نمط من القيادات التي وصفتها بالخادعة، وأن الشهيد الحسيني لم يأخذ ما يستحقه من الاهتمام، في الوعي، والوجدان الشعبي، ولذلك جاءت هذه الرواية لتعيد قراءة سيرته الجهادية، وتعيد الاعتبار لمواقفه التي تمثل محطات اعتزاز في الذاكرة الفلسطينية.
الندوة، التي كانت تخصصت لمناقشة «حبي الأول»، لم تلتزم بالعنوان، حين ذهب المتحدثون إلى استعراض مجمل الأعمال الروائية للكاتبة التي بدأت ـ منذ مطلع السبعينات ـ غير أنهم اتفقوا على أنها أكثر أعمال خليفة نضجاً، وهذا ما أكدته خليفة نفسها، وهي تقول إنها تحرص ـ في عملها الجديد ـ على أن يكون مكملاً للصورة الفنية والجمالية، التي تميزت بها الرواية.