المستحيلات الأربعة
خيــري منصــور
* دار الخليــج
قد تبدو الدولة الصهيونية وسط هذا الحراك الراعف في المنطقة، كما لو أنها الواحة الآمنة، والمستقرة والمتماسكة، بحيث لم تنقل الفضائيات أو وكالات الأنباء مشاهد يطالب فيها المتظاهرون اليهود بإسقاط النظام في تل أبيب، وحقيقة الأمر هي بعكس ذلك تماماً، وباعتراف كتّاب ومحللين من اليهود، وقد كتب الكثير عن هؤلاء الذين تنعتهم الصهيونية بالعقوق بدءاً من شاحاك حتى بورغ وأفنيري ورابخ وآخرين، لهذا فالأجدر الآن بمن يرصدون ما يجري داخل ذلك الكيان الذي يتكتم على تناقضاته ويسعى بكل الأساليب لتأجيلها أو تهجير أزماتها أن يصغوا جيداً إلى هتاف سياسي يقوده رئيس الحكومة لا الناس، وينادي بأعلى صوت وبعبرية لا تقبل الترجمة الدقيقة أو الفورية قائلاً نريد اسقاط السلام، وهذا هو الحراك الرسمي الوحيد في الكيان الذي يخشى تلك اللحظة التي تفتضح ما تهرأ من نسيجه، فإذا كانت بعض بلدان الشرق الأوسط أو معظمها تشكو من صراعات إثنية، فإن الدولة الصهيونية تشكو مما هو أشد وهو ما يسميه بعض الكتّاب اليهود والمؤرخون الجدد التذرر الإثني، وشاهدهم هو الصراع الدائر بين المهاجرين اليهود من روسيا قبل البريسترويكا وبعدها .
وليست لاءات نتنياهو الثلاثة بدءاً من رفض حق اللاجئين في العودة والاعتراف بدولة فلسطين بحدود يونيو/ حزيران عام ،1967 وتهويد القدس وتأبيدها عاصمة للدولة اليهودية، هذه اللاءات، هي المستحيلات الثلاثة بالنسبة للعرب والفلسطينيين بشكل خاص، فالزمن تغير ولم تعد العنقاء والخلّ الوفي والغول هي المستحيلات الوحيدة في معاجم الفولكلور العربي، بعد أن تقمص الناس أنفسهم أسطورة العنقاء وبدأوا يتخلقون ويتشكلون من رمادهم بدءاً من البوعزيزي التونسي، والغول لم يعد كائناً أسطورياً يثير الهلع في ظلام ما قبل الكهربا، إنه الآن عدو من لحم ودم وقلب مفعم بالكراهية وشهوة الانتقام، أما الخلّ الوفي فمن الأفضل أن لا نتحدث عنه الآن، لأن فلسفة ظلم ذوي القربى لأشد مضاضة من وقع السيف لا تزال مقررّة علينا .
والمستحيل الرابع أو الأقنوم المحذوف من ثلاثية نتنياهو هو قبول العرب والفلسطينيين بشروطه لتحقيق سلام ناقص، وقد يكون هذا السلام كما يفهمه نتنياهو حرباً سادسة على العرب، تحقق من الغنائم ما لم تحققه الحروب الخمس التي سبقتها وكانت أدواتها وأسلحتها عسكرية .
سلاح السلام هو الابتزاز أولاً ثم مواصلة الرهان على حالة دائمة من الإرهاق العاطفي لدى الضحية، بحيث تنتهي بعد متوالية الضغط والابتزاز والتسويف إلى القبول بالقليل لأنه وفقاً للحاسوب الصهيوني الاستيطاني أفضل من العدم أو من لا شيء .
أطروحة نتنياهو براديكاليتها الليكودية المزمنة ليست تكتيكية على الاطلاق، وهي التعبير الأدق عن استراتيجية ترفض الاعتراف بأن العالم تغير وأن الضحية لم تلفظ أنفاسها، بل استعادت معظم عافيتها واجتذبت بعدالة قضيتها ناشطين من مختلف القارات والثقافات .
خلاصة ما يقوله نتنياهو في الداخل وهو مشحون بالتوتر التنافسي مع ليبرمان، وما يقوله حتى في واشنطن هو أنه يقود مظاهرة صهيونية شعارها الوحيد: نريد إسقاط السلام .





رد مع اقتباس