يرسم حالة وشمية بألوان هجين

علي عباس يحمل حماراً ومدينة



إنه يعيش الآن في أقاصي شرق الدنيا، حيث أستراليا أضحت آخر محطات حياته، بعد أن غادر العراق وانتظر المكان الذي قررت الهيئة العالمية للاجئين أن تزرعه فيه، لكنه فنان حساس، محشو بذكريات طفولته، وصور عالمه الجنوبي العراقي البسيط، هناك حيث النخيل وصرائف القصب، والطرق المائية التي تنزلق فوقها الزوارق الصغيرة التي يسمونها (المشاحيف) . كل شيء كان مدموغاً بطابع التوافق التام بين الأحلام المتواضعة، والبيوت الذاتية المساحة، والمحيط المتماسك والمشدود بوشائج القربى وصداقات الطفولة .

علي عباس ومنذ أن كان ينتظر في لبنان، كان مملوءاً بالعراق، ولوحته تحمل طابعها العراقي الذي يستطيع أن يطالعه كل قارئ بصري، ثم إن ألوانه المتصادمة، كانت خليطاً من مشاعر تتدفق تارة، وتكمن تارة أخرى، لكن لعلي عباس مفرداته المبسطة المرسومة بأنامل طفل سرق “طبشوره” الملون من مدرسته، وراح يلوّن به كل ما يصادفه من حيطان ومساحات .

لذلك تعاملنا مع أغلب معارضه التي نفذها في بيروت، وعلّقها في العاصمة التي كان ينتظر فيها قرار ترحيله إلى أرض الله الواسعة، على أنها كدسة هائلة من الأشجان العراقية، وقد اعتاد العراقيون زرع مقاماتهم ألواناً وأصواتاً في محطات الانتظار كافة التي افترشوا فيها الزمن انتظاراً للرحيل نحو أوطانهم البديلة .

صُدم أول الأمر في المدى وفي العلاقات الأسترالية، وأدرك أنه يعيش في عالم لا حسابات للزمن المتسارع في (روزنامته)، بل هناك حالة من حالات التواطؤ الثلاثي بين الأنا والآخر والمكان الذي يحيط بنا ويحتوينا، فالمدينة سلسلة من لحظات العلاقة السوقية العابرة، والفن حالة ارتداد مستمر للأفعال . لذلك رسم معرضه الأسترالي الأول الذي أطلق عليه عنوان (رجل يحمل حماراً ومدينة) . فقد كانت اللوحة حالة بحث عن لغة تعبيرية مناسبة، وكان الموضوع ملاحظة انتقادية بحجم علامة الاستفهام . لكنه في معرضه الجديد الذي حمل عناوين عدة اقترب من إيقاعه التعبيري المميز الذي بدأ يشتغل عليه بدرجة عالية من الوعي والانتقائية، فلقد فرض على نفسه تعاملاً جديداً مع الحدود الداخلية للوحة . أي أنه أقام علاقة ما بين اللوحة المرسومة والمسطح الذي رسمت عليه . حيث عاد بالمرسوم إلى مرحلة الرقعة اللونية القائمة بذاتها والمستقلة كل الاستقلال عن الفراغ المحيط، إنها تماماً كالنحت الذي يتحول في لحظة نضجه إلى علاقة هائلة ما بين الكتلة والفضاء .

هذه الحالة التي نلاحظها في الشكل الأوسع الذي يحتوي العناصر التفصيلية والمفردات كافة، هي بصمة تعبيرية عراقية خالصة، سبق لعدد من فناني الخمسينات والستينات العراقيين أن اشتغلوا عليها، أمثال كاظم حيدر، وشاكر حسن آل سعيد، وراكان دبدوب، وعلي طالب، وطالب مكي، وغيرهم .

لذلك سنرى أن الفنان علي عباس أحيا جيناً وراثياً موجوداً وكامناً في الخلايا الحياتية للفن العراقي، لكن ما أضافه هذا الفنان هو المقدار الرائع من التكوينات الثلاثية التالية:

أولاً، طراوة اللون الذي أطلّ على العين المتلقية بمفهوم متطور للروح الشرقية التواقة إلى النور والفرح المكبوت، ولأن الفنان العراقي الأكاديمي الأصول، ما زال مشدوداً بخيوط الحنين المتينة، فإن استعمالاته للألوان الهجينة بشكل مميز جعلت منه عصباً شرقياً بامتياز . لقد بصم لوحته بطابعها الذي لم تستطع الانفكاك منه وهو الطابع الشرقي، وذلك رغم أنه يعيش ويتنفس هناك في أستراليا، حيث العدد الكبير من رسامي المناظر ورسامي البورتريه، وبعض السورياليين العابثين، مع وفرة في فنون المهارات اليدوية، مثل فن “الكرافت” .

ثانياً، أصرّ على أن يقدم في هذا المعرض الأخير جزءاً من شخصيته التي اعتدناها، وهي الشخصية التي تشتغل على (الثيمة) المفردة بقدر من الإبراز والتأكيد، لأنها هي التوقيع الذاتي للفنان، علماً أن هذه الثيمة التي تجيء حالةً وشميةً أحياناً، وحضوراً لصدى لوني في أحيان أخرى، هي التي تمنح لوحته ذلك الزخم التعبيري .

ثالثاً، يختلف هذا المعرض عن المعارض الأخرى السابقة، في كونه لم يعتمد فكرة الموضوع الواحد، بل الإيقاع الواحد، وقد منح ذلك كل لوحة نوعاً من الشخصية والاستقلالية، بحيث تستطيع أن تتعامل معها كقوة مستقلة بذاتها وقابلة لأن تفسر بمعزل عن المعرض برمته، فهو يرسم سمكة بشكل عمودي، إنها مجموعة هائلة من الخطوط السريعة النازلة والصاعدة، والحاملة شتى الألوان، لكنها السمكة الموضوع الذي لا ينتمي إلى لوحة (الحياة الساكنة) ولا علاقة له بالتعبير الموضوعي عن حدث استثنائي . لهذا السبب ولغيره يمكن القول إن معرض علي عباس في صالة (زمان) في بيروت في منطقة الحمرا، ليس من المعارض التي ترتبط بالنزوة الطارئة للفنان، بل هو المعرض الذي يكشف الاتجاه المستقبلي للفنان .

إن الفنان الذي نجح في الإبقاء على النار الخفية تحت أكوام رماد غربته، يمتلك قدرة التفاعل الأعمق مع زمانه ومكانه الأسترالي، ولكنه يحتاج إلى المزيد والمزيد من الزمن حتى يؤسس حالة تعبيرية رومانسية، لا تذهب لونياً صوب البعد التأثيري، ولا تكوينياً صوب التعبيرية الانكسارية الأزياح والحركات، ولا موضوعياً صوب الأنسنة المفتعلة، بل تطلع اللوحة التي نجحت في الإحاطة بكل ما في الفنان العراقي المملوء بالطفولة من تداعيات، وفي الوقت ذاته تناول آخر ما يحتاج اليه المكان المحيط من بناء عام ينطلق من المستوى الموجود فعلياً على مستوى المرئي الخارجي، إلى ذلك المستوى العام الذي يغلف لغة تعبيرية متخمة بالهواجس الفكرية والثقافية، بل وحتى الفطرية أحياناً .

معرض العراقي علي عباس في صالة زمان ببيروت، والمشحونة لوحاته من أستراليا إلى لبنان، يكشف لنا العمق الإنساني للحنين العراقي الذي رمته النائبات بأكثر من غربة لم يسبق أن تصور العراقيون أنهم سوف يمارسونها كفعل معاقبة، أو كمصير يقطع حبلهم السرّي مع الوطن الذي بات خالياً من كل شيء .

علي عباس في سطور

مواليد 1964 العراق .

خريج أكاديمية الفنون الجميلة “بغداد” .

بكالوريوس رسم .

عضو نقابة وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين .

عضو جمعية المصورين العراقيين .

له مشاركات عديدة في العراق وخارجه .

أقام معارض خارجية منذ عام 1998 وحتى الآن .