المشهد الثاني





(معبد بعل في مدينة جبيل)‏

الجوقة1 : الكرمة تهدي خمرتها‏

لابن الشجرة‏

والكنار يرنم آياته‏

لعاصر الكرمة‏

الشمس تكوّرت‏

حين رأت هذا الجمال‏

والحديد لان‏

حين لامسته يداه‏

والبحر أحنى رأسه‏

والبرق قدّم سيفه‏

وهدأ الزلزال‏

الجوقة2 : استكانت العناصر بكفه‏

يرميها في كوره‏

ويطرقها على سندانه‏

ويكوِّنُها كيف يشاء‏

روّض الريح‏

ودجّن العاصفة‏

وأهمد البحر الماكر‏

حباه هرمس الحكمة‏

والإله سوريا الضياء‏

سيد الآلهة أعطاه‏

صولجان الأمر‏

وقوة القهر‏

وكتاب الأسماء‏

(سميرنا ترقص على إيقاع دفٍ، وناي رئيس الكهنة يؤدي صلاته أمام تمثال بعل، البخور يتصاعد من المكان).‏

الكاهن : بعل، أيها الإله المقدس، إنه أوان دخولك الهيكل، وتفقد أحوال رعيتك، معبدك يا سيدي مهجور، ومذبحك ناصع البياض، انحاز شعبك يا مولاي إلى إله غريب، ولدته الخطيئة، أو مكيدة الآلهة، خزائننا ملأى بالحبوب، وأقبيتنا بالخمرة، لكنّ الناس في اضطراب، فتقبَّلْ يا مولاي هذه الخمرة، وهذا الجسد الجميل، فلينغرسْ سيف برقك في عمقه، ولتثخنه بالجراح، فإنه عبْدَكَ، جسدٌ فتيٌ لإلهٍ فتي، سأخرجُ من الهيكل، كي لا ترى عينيَّ حب الآلهة المقدس.‏

(يخرج رئيس الكهنة، تتقدم سميرنا من المذبح، وترقد فوقه مستسلمة بنشوة رائحة البخور لا تزال تسري في المكان، والأنغام تصدح في المعبد، صوت خطوات، يدخل أدونيس)‏

سميرنا : إلهي بعل، هبني طعم ثمرتك.‏

أدونيس : أية ثمرة؟‏

سميرنا : ثمرة التفاح.‏

أدونيس : لكن لا تفاح على الأشجار.‏

سميرنا : أرغب بتفاح آخر.‏

أدونيس : ما تدعين أيتها الأخت الفاضلة؟‏

(تنهض سميرنا، تستيقظ من نشوتها كمن لسعته أفعى)‏

سميرنا : مَنْ أنت؟‏

أدونيس : مَنْ تظنين؟‏

سميرنا : أنت لست إلهي بعل، فلا سيف معك، ولا ترس، ولا سوط، تهذب به جسدي.‏

أدونيس : أنا أعزل كما ترين، أنفر من كل تلك الأسلحة.‏

سميرنا : لكنّك إله.‏

أدونيس : إله؟‏

سميرنا : من أين دخلت؟ باب الهيكل مغلق، ولا منفذ آخر.‏

أدونيس : إنْ لم يفتح الباب عبرنا من الجدران.‏

سميرنا : أنت إله إذن.‏

أدونيس : أجل.‏

سميرنا : وما تدعى؟‏

أدونيس : أدونيس.‏

سميرنا : حبيبي وصغيري الضائع.‏

أدونيس : حبيبك، مَنْ أنت أيتها الفتاة؟ أعني أيتها المرأة.‏

سميرنا : إنني ول راقصة المعبد.‏

أدونيس : راقصة المعبد؟‏

سميرنا : أخدم إلهي وسيدي بعل، وأدخل السرور على قلب سيدي رئيس الكهنة، إنني منذورة للإله بعل، ولسيدي رئيس الكهنة.‏

أدونيس : وأين هو ذاك اللص؟‏

سميرنا : لا تجدّف يا مولاي.‏

أدونيس : الآلهة لا تجدّف، بل تلقي بالحقائق، شعب جبيل في جوع وضنك، ومخازن الهيكل ملأى بالغلال، أيها الباب تبعثرْ، (ينفتح باب الهيكل فجأةً، تتدفق جماهير غفيرة من الباب) هيَّا أيتها الجموع مخازن الهيكل أمامكم، لا تبقوا على حبة قمحٍ واحدة، أو برميل نبيذٍ واحد، إنَّه خبزكم يُرَدُّ إليكم، طعام الآلهة فرحكم، ومسرتكم، وليس اللحم والعرق، والخبز والنبيذ، (الجماهير في هياج وصياح يندفعون باتجاه المخازن، يخرجون حاملين أكياس القمح، وجرار الخمر، هاتفين، هازجين) ليعانِ رئيس الكهنة من الجوع الذي أهلكَ نصف أطفالكم.‏

سميرنا : إنني فخورة بك يا بني، أعني يا إلهي، بل يا حبيبي.‏

أدونيس : ما أمرك أيتها المرأة، نظراتك تقول لي أشياءَ وأشياءَ.‏

سميرنا : ماذا تقول؟‏

ظلمةٌ تغشى عينيّ، كأنها تحول بيني وبين معرفة مَنْ... أنت، لعلّه حجاب إيل يلقى عليّ، لكي لا أعرف ما السر.‏

سميرنا : أيُّ سِرٍّ؟‏

أدونيس : مَنْ أنت؟‏

سميرنا : ماذا يقول قلبك؟‏

أدونيس : قلبي هو الآخر في حالة تشويشٍ واضطراب.‏

سميرنا : إنني يا سيدي راقصة المعبد، أهبُ جسدي للإله بعل، أو من يرسلهم من قبله من أناس مباركين، أو حيوانات مقدسة، أو طيوف هائمة، أبعث اللذة والدفء في جسد الجميع.‏

أدونيس : أنت لست كذلك، قلبي يقول ذلك، تتخذين اللَّذة ستاراً يحجب حقيقتك، آه، لو يرفع أبي عن عينيّ حجابه، فأرى مَنْ أنتِ، لعلّ هرمس أخي ينجدني بطلسماته، فأفُكّ سترك.‏

سميرنا : حين كل العيون تنساك، ستبقى عيناي يا حبيبي ذاكرتك وذكراك، وحين كل الدموع تُطْوَى عن ثراك، ستجدُ دمعي ترياقاً يسقي تربتك، وحين كلُّ الشفاه تنسى اسمك، ستبقى شفتاي ترتل اسمك، حبيبي، وصغيري، أدونيس.‏

أدونيس : إذن سنلتقي.‏

سميرنا : حتماً.‏

أدونيس : وأنا سعيد لذلك، أيمكن أن أناديك أمي؟‏

سميرنا : أمي.‏

أدونيس : أجل.‏

سميرنا : لكنَّ أمَّكَ شجرةُ المرِّ.‏

أدونيس : أشعر أنّه قد حدثت مكيدةٌ ما، أشعر أنّ الشجرة ليست أمي، إنّها كثيرة الاهتزاز، كأنَّها راقصة.‏

سميرنا : لعلّها أنا؟‏

أدونيس : كنت أتمنى لو أنك أمي.‏

سميرنا : وأنا أتمنى لو أنك ابني (تبكي)‏

أدونيس : تبكين.‏

سميرنا : لأنني في حضرة إله.‏

أدونيس : لا عليك يا امرأة، سَأُبْقِي لكِ كيس قمح، فالشعب في جبيل أتى على قمح الكهنة‏

(يشير بيده لأحد المواطنين، فيرجع كيس القمح إلى المستودع)‏

سنلتقي إذن، عديني بذلك.‏

سميرنا : أعدك.‏

أدونيس : ولن تخلفي وعدك؟‏

سميرنا : وهل ينكر الدمع مجراه، أو تنسى العين دمعها (يغادر أدونيس، تنخرط سميرنا في بكاء حاد، الجماهير تغادر المكان حاملة الأرزاق، يدخل رئيس الكهنة شبه مجنون من الغضب والحقد).‏

الكاهن : أولئك الأوغاد لن ينجوا من العقاب، الإله بعل وقد أهين في هيكله.‏