الركوب على حصانين

خيـري منصـور

* دار الخليــج




من يستطيع حمل بطيختين بيد واحدة هو وحده الذي يقدر على امتطاء حصانين في اللحظة ذاتها، وإذا كان هناك من لديهم المهارة لفعل ذلك على نحو استعراضي ولمدة لا تتجاوز الدقيقة فإن الحياة السياسية لا ينفع معها مثل هذا الاستعراض العابر . وفي عالمنا العربي عرفنا نماذج استطاعت لبعض الوقت أن تكون ليبرالية ويمينية ويسارية، كأن الأفكار والأيديولوجيات قبعات تُرتدى وتخلع حسب الطلب، وإن كان من بين هؤلاء من لعبوا اللعبة على نحو مختلف كأن يعرضوا توباتهم وعودة الوعي إليهم في المزاد السياسي .

إذ يكفي لأحد هؤلاء أن يكون يسارياً لبضعة أشهر، ثم يكتب مذكرات اعتذارية ويعلن التوبة، والعكس صحيح أيضاً .

وثمة فارق حاسم وجوهري بين من يبدلون مواقفهم بفعل تطور الوعي والنقد الذاتي وبين من يتعاملون مع هذه المواقف كما لو أنها ثياب داخلية تتغير يومياً . وهناك مقولة طريفة تنسب إلى سعد زغلول الزعيم الوفدي هي أن من الساسة من تبقى ثيابهم الداخلية نظيفة على الدوام بسبب سرعة تغييرها .

مفكرون وسياسيون عديدون بدّلوا مواقفهم أو عدّلوا منها، لكن بعد سنوات النضج، لهذا تصنف أعمالهم بين أعمال الشباب والصبا وأعمال الشيخوخة، ومنهم هيغل وجورج لوكاتش وحتى كارل ماركس، ففي إحدى مقالاته عن الشاعر طاغور اعترف لوكاتش بأنه ارتكب أخطاء بسبب الحماسة الزائدة .

وأذكر أن الراحل جبرا إبراهيم جبرا وهو من أبرز المبشرين بالحداثة والعازفين عن الشعر العربي الكلاسيكي كتب في نهاية أيامه مقالة شهيرة عن الجواهري، يعتذر فيها عن آراء كان قد أبداها في سنوات الحماسة والاندفاع والراديكالية . والثورات العربية الآن لا تشذ عن تلك القاعدة التاريخية الذهبية لمثيلاتها في الماضي، فالقول إنها غير مسبوقة فيه قدر كبير من إغفال حقائق التاريخ، لأنها ليست نبتاً شيطانياً أو اندلاع مارد من القمقم بلا أي تراكمات أو ممهدات سابقة .

هذه الثورات تمارس أيضاً دورها في اختبار المواقف، فمن كانوا ضدها حتى ربع الساعة الأخير من عمر النظم السابقة أصبحوا على يسار من يهتفون ويرددون شعاراتها وتلك على ما يبدو مهنة، لا يجيدها إلا من تدربوا جيداً على الاستجابات البطيئة أو الفورية لما يجري ويطرأ من أحداث، وكنا نراهن على أن هذه المدرسة الذرائعية افتضح أمرها، وأنهى الوعي الشعبي صلاحيتها، لكنها مستمرة، ولها تجليات يمكن رصدها بسهولة عبر البرامج الحوارية في مختلف الفضائيات ومن خلال التصريحات النووية لفظياً في الصحافة .

فهل استمرت تلك المدرسة بفضل فائق وفائض قوتها أم بفضل نسبة الأمية التي حذفت ثلث العرب من عالم القراءة والمتابعة؟

أغلب الظن أن هناك هوامش لا تزال تتسع لاستعراضات “أكروبية” وبهلوانية يمارسها حاملو عدة بطيخات في يد واحدة، أو من يمتطون عدة أحصنة في آن واحد!

ولا أظن أن هذه المدرسة ستغلق أبواب فصولها ويتقاعد دهاقنتها قبل أن يتحرر العالم العربي من عدوين جذريين: أولهما الأمية بالمعنى الأبجدي المتعلق بالقراءة والكتابة . وثانيهما الأمية السياسية التي جاءت كنتيجة حتمية لعقود من الخمول والاستنقاع والبطالة الفكرية .

وإن لم يكن تحرر الوعي من هذا الارتهان القطفة الأولى لمواسم الحراك فإن النفخ سوف يبقى في قربة مثقوبة .