قدر تاريخي وآخر جغرافي

خيري منصـور

* دار الخليـج





نادراً ما يتحالف القدران التاريخي والجغرافي فتكون الأمة عندئذ قد استكملت مقوماتها الوجودية، وأصبحت الجغرافيا والتاريخ دائرتين متطابقتي المحيطين، وبمركز واحد .

القدر الجغرافي هو الجوار الذي لا فكاك منه، فما من دولة رحلت ذات يوم كي تغير موقعها، لهذا فإن للجغرافيا ديكتاتوريتها ليس فقط تبعاً للمواقع، بل لأن التضاريس السياسية بمختلف خطوط الطول والعرض لا تتحرك وفقاً لمتطلبات تاريخية، وما يكاد علماء التاريخ الذين ذهبوا إلى أبعد مما ذهب إليه المؤرخون التقليديون يجمعون على أن الجغرافيا هي التي وجهت بوصلة التاريخ وليس العكس .

والقدر التاريخي يتلخص في الذاكرة المشتركة واللغة المتوارثة والشجون القومية، لكن التعامل مع القدر التاريخي لأمة ما يختلف عن التعامل مع ديكتاتورية الجغرافيا والحدود التي ما من سبيل لإعادة ترسيمها .

والعرب تحقق لهم إلى حد كبير التزاوج بين القدرين الجغرافي والتاريخي لهذا حين كتب عالم الجيوبولتيك الراحل في ظروف غامضة د . جمال حمدان عن شخصية مصر وعبقرية المكان، تحدث عن عروبة مصر كقدر من الناحيتين التاريخية والجغرافية، وقال على نحو رمزي بالغ الدلالة إن النيل يجري شرقاً . . والمفهوم القدري لعروبة بلد ما من هذه البلدان ليس مجرد نشيد أو إسقاطاً سياسياً، إنه واقع بكل صلابته وشروطه، وحين نقرأ ما كتبه شمعون بيريز عن الشرق الأوسط الجديد نجد أنه حاول الإفلات بلا جدوى من القدرين معاً، فإقصاؤه لشمال إفريقيا العربي عن الخرائط الجديدة للشرق الأوسط كان يستهدف بشكل مباشر إحلال الدولة الصهيونية في سياق سوقي واقتصادي هو البديل للسياق القومي التاريخي، لكن ما حدث بعد ذلك أبطل هذا التصور القاصر، فالعرب ليسوا مجرد جيران، إنهم السواقي التي تشكل منها نهر يجري باتجاه مصب واحد .

ويخطئ بعض المؤرخين الجدد في مرحلة ما بعد الحداثة التي تطمح إلى أن تكون ما بعد التاريخ حين يبحثون عن المشترك القومي بين البلدان العربية بدءاً من حروب الاستقلال الحديثة، فرغم أهمية هذا القاسم المشترك، فإن جذور القدر التاريخي أبعد من ذلك بكثير، لكن معاهدة سايكس - بيكو تجلت بعد أكثر من تسعين عاماً في أشكال وأنماط هجينة مما يمكن تسميته الخصخصة القومية، بحيث تحول من كانوا يشكون منها إلى مستثمرين لمنجزها الشيطاني وتلك بالطبع حكاية تطول!

إن التطابق العناقي بين القدرين التاريخي والجغرافي يصنع كينونة من طراز خاص بحيث يصبح فك الارتباط بين التاريخ والجغرافيا جراحة غليظة لاستئصال إحدى العينين أو الكليتين أو الرئتين . .

وقد يعيش الكائن بواحدة من هذه الثنائيات لكنه يبقى مهدداً وبلا مناعة تقيه من التدهور، إن الخطاب القومي العربي رغم سلامة ومنطقية أسسه التاريخية يحتاج إلى تصليب فكري فالمسألة أبعد من الأيديولوجيا لأن مكونات هذا الخطاب في بعده العملي ليست كما يرى تلامذة العولمة المُفْبركة انشائية أو من ظلال رومانسية القرن التاسع عشر .

فمن كابدوا الاستعمار والتحرر منه على اختلاف أسمائه بأساليب متماثلة إلى حد كبير ومن عبروا عن أنفسهم لقرون باللغة ذاتها ومن شعروا باقتسام النصر والهزيمة عليهم الآن إعادة اكتشاف القَدرين معاً . . التاريخي والجغرافي .