وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته


في البداية، أتقدم بأطيب التحيات والشكر والعرفان لمشرفينا الأعزاء، مشرفي قسم الحوار والمناقشة (أخي العزيز سري للغاية وأختي العزيزة نادرة الوجود)


قد أسعدتني المشاركة في هذا الموضوع، والذي قد أتاح لي الفرصة للتواصل معكم ومع أعضاء وزوار المنتدى، وكان أيضاً فرصة للبحث والتقصي لمعالجة ومواجهة مشكلات اجتماعية قد يكون لها عميق الأثر في حياتنا، فلكم منا جزيل الشكر.
.....




من خلال قراءاتي في هذا الموضوع حاولت الخروج بأفكار عديدة، قد لا يتسع لها الموضوع، لذا أجملتها على فقرات، وأتمنى ألا أكون قد خرجت عن نطاق الموضوع أو القضية المطروحة.
*******



(العاطفة والفراغ العاطفي)



أولاً: ماهية العاطفة
العاطفة هي فطرة أوجدها الله في الإنسان، يتفاعل من خلالها مع ما يحيط به، وعاطفة الإنسان تجاه شيء معين يتم اكتسابها وذلك من خلال الاحتكاك به، ويستلزم قوة هذه العاطفة توالي ذلك الاحتكاك، فإن قل ذلك الاحتكاك ضعفت تلك العاطفة، ويتأثر اكتسابها من خلال قبول واستحسان الآخرين لها أو رفضهم واستنكارهم لها ومدى تجاوبهم مع تلك العاطفة. إن العاطفة هي من الاحتياجات الأساسية لكل إنسان، وحاجة الإنسان للعاطفة كحاجته للماء والهواء، بل هي أكثر من ذلك، وعن طريقها يتواصل مع الآخرين.


وحيث إن العاطفة المهمة والأساسية للكائنات الحية على حد سواء، هي عاطفة الرحمة، فبها يتآلف مع المحيطين به، ويشعر من خلالها بالأمان والطمأنينة والراحة.
.....


ما أنواع العاطفة التي يحتاجها الإنسان بشكل أساسي؟
إن الإنسان يحتاج إلى عاطفة الأمومة، والمحبة والحنان، والعطف والاهتمام، والانتماء والتفاعل معه، فتلك العواطف تملأ حياة الإنسان ليهنأ بالسعادة والسرور والرضا والقبول.
.....


ما الذي من الممكن أن يحدث إن لم تشبع العاطفة لدى الفرد؟
إن العاطفة تبدأ منذ تخلق الطفل في بطن أمه، وإن تحدثنا عن الإشباع العاطفي فهو يبدأ من طفولة الإنسان، فنرى الوالدين يغدقان على الأبناء المحبة والحنان، ولكن ما أن يبلغوا سن المراهقة حتى يشعر بعض المراهقين بقلة اهتمام الوالدين وعدم إعطائهم القدر الكافي من العاطفة التي من الممكن أن تربطهم بوالديهم بشكل مناسب، مما يضعف أواصر العلاقات بين أفراد الأسرة. لذا فمن الضروري التفات الوالدين لهذا الأمر ومحاولة توجيه عاطفتهم بالاتجاه الصحيح، فقد يخطئ الأبناء (عمداً أو كرسالة غير مباشرة) للفت انتباه الوالدين إليهم.


لذا نرى أنه إن لم ينل الإنسان كفايته من تلك العواطف من أقرب الناس إليه فإنه يبحث عن طرق أخرى أو أشخاص آخرين يرتبط معهم عاطفياً، وقد تكون تلك الطريقة غير مناسبة أو مخالفة للأعراف ومخالفة للدين بوجه خاص، مما يسبب له الضرر الكبير أو العظيم، والذي قد يؤدي به إلى الضياع والأمراض سواء النفسية أو الجسمانية.
.....


هل يمكن أن يكون الفراغ العاطفي وهماً؟
ولكن ورغم كل شيء، قد يحس الشخص بافتقاد العاطفة حتى بوجود الكثيرين من حوله، وحتى إن أعطي العاطفة التي يحتاجها، قد لا يدرك ما حوله ولا يحس بلذة تلك العاطفة، فيشعر بنقص، وهو بذلك يتوهم عدم حصوله أو اكتفائه منها أو عدم استيعابه لها، مما يشكل صراعاً نفسياً داخله، فلا يستطيع ضبط نفسه، ويستسلم لوساوس الشيطان ما يجعله مكتئباً حزيناً أو منطوياً على نفسه، وتضيق نظرته للحياة، ويصدر بذلك أحكاماً غير صحيحة على المجتمع أو من حوله على ضوء ذلك الإحساس.
*****



ثانياً: أسباب الفراغ العاطفي
قد تعتري الإنسان لحظات ضعف، ويستسلم للحزن، وتنتابه الهموم والآلام، يشعر خلالها بعدم تجاوب الآخرين معه وعدم اهتمامهم لمشاعره، يشعر بغفلة الآخرين عنه، يشعر بالوحدة وكأن فجوة كبيرة بينه وبين الآخرين، يتوه بمشاعره، فقد يتخبط بحثاً عن حلول، وقد يحدث أن نجد أن البعض ينطوي مع تلك المشاعر وينأى بنفسه عن الآخرين، ولكن الفطن هو من يتغلب على تلك المشاعر قبل أن تسيطر على مجريات حياته.


واذكر هنا بعض الأسباب التي قد يكون لها أثر كبير في ذلك الشعور:
1- قد يكون أحد الأسباب الرئيسية لهذا الشعور هو طغيان المادة والسعي للحصول عليها بشتى الوسائل وانشغال الإنسان بها، فلا يكون باستطاعته الالتفات إلى الناحية الروحية والعاطفية.


2- فاقد الشيء لا يعطيه، فإن لم يكن قد وجد من يفيض عليه بعاطفة ما فلن يكون بإمكانه أن يعطي الآخرين.


3- النظر للآخرين وسير حياتهم، فيقارن الشخص نفسه أو حياته أو ما يملك بما لدى الآخرين، وذلك مما يعطيه إحساساً بالنقص، إلى جانب ضعف الثقة بالنفس.


4- عدم التواصل المستمر (أو ضعف التواصل) مع أفراد المجتمع، أو بين أفراد العائلة الواحدة.


5- حاجة من هم في سن الزواج للارتباط والأنس مع الجنس الآخر، قال تعالى: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها)).


6- قد تكون تلك الصورة الوردية التي يرسمها الإعلام الحديث للعلاقات، الزوجية منها بوجه خاص، والتي تكون غير صحيحة أو غير ملائمة للواقع وصعبة التطبيق (أي بما يشبه الخيال)، فيجد الشخص نفسه بحالة ضعف، غير راضٍ أو غير مكتفٍ بما يملك مهما كانت الظروف المحيطة من حوله.


7- وكما أنه قد يضع الرجل أو المرأة تصوراً مسبقاً لما يجب عليه أن يكون الطرف الآخر فيصطدم بالواقع بعدئذ، فيرزح تحت وطأة الحزن وضيق النفس بسبب خيال واهم.
*****


ثالثاً: العلاج لمشكلة الفراغ العاطفي
إن نظر الإنسان في حياته سيجد من الوسائل الكثير مما يمكنه بها لأن يتغلب على ذلك الشعور الذي قد يعتريه أو يسيطر عليه في أحيان أخرى، وقد لخصتها بما يلي:
1- اللجوء إلى الله أولاً وأخيراً وفي كل الأحوال، والتقرب إليه بالنوافل والطاعات، ولزوم الاستغفار فهو أعظم باب لطلب الرزق والخير والفرج والتيسير، ودوام ذكر الله يبعث الطمأنينة في القلوب الحائرة والنفوس المتعبة، قال تعالى: ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)).


2- ومن منطلق "الدين عاصم" فعلى الوالدين أن يعملوا على تقوية الجانب الديني لدى الأبناء، فذلك أدعى لأن يعصمهم من الزلل والوقوع في المحظور، ويكون لديهم علم مناسب للتعامل مع معطيات العصر ومستحدثاته.


وهنا أحببت أن أذكر بأن الإنسان ما دام قبله مملوءاً بمحبة الله فلن يشعر بذلك الفراغ، فهو من خلال هذه المحبة سيدرك أن الله لم يكن ليخلقه عبثاً ولم يكن ليتركه أبداً، من كان مع الله فإنه لن يضيع، وما دام قائماً في طاعته فلن يحيد عن الطريق المستقيم.


3- الاحتكاك بالآخرين بشكل أكبر، والتواصل معهم بشكل إيجابي، والتقرب إلى الأرحام والأقارب خصوصاً، فيجد الأنس والطمأنينة بينهم أكثر من غيرهم.


4- السعي في حوائج الآخرين ومصالحهم، وذلك مما يعطي شعوراً بالسعادة (للطرفين أو بين الجميع)، ويزيد التقارب والألفة بين الشخص والآخرين وبالتالي شعور هذا الشخص بأهميته وثقته بنفسه، والتبصر بقدراته الكامنة التي يستطيع من خلالها جذب الآخرين إليه.


5- الانشغال بالقراءة والمطالعة والاستزادة من العلم، وذلك مما يعطي الإنسان صورة أفضل للحياة، وجعل الإنسان أقرب إلى الله، فكلما زاد علم الإنسان وتأمله في الكون والخلق زاد تعظيمه للخالق عز وجل، وكان شكره لما وهبه من النعم والعطايا التي لا تعد ولا تحصى ممزوجاً بالخشية والتعظيم والمحبة.


6- الموازنة بين العاطفة والعقل مطلوبة، وحيث إن رجوح العاطفة على العقل أمر مضر وغير صحي، فعندما تتغلب العاطفة فيتخذ قرارات غير عقلانية، وإن غلب العقل على العاطفة فإن حياته ستصبح جامدة.


7- محاولة التجديد والتغيير في الحياة بشكل مستمر، حتى لا يتسرب الملل إلى حياة الإنسان، وقد يكون ذلك سهلاً وفي متناول اليد، كالخروج من المنزل للتنزه، أو ممارسة نشاط جماعي فيكون بذلك مع الآخرين كاللعب أو العمل، أو تغيير ترتيب أثاث المنزل وغير ذلك.


8-الثناء على الآخرين وشكرهم بشكل مستمر أو بين الحين والآخر، أو حتى قول كلمة طيبة قد يكونوا بحاجة لها، أو حتى الابتسامة البسيطة، المهم هو إشعارهم بأهميتهم بالنسبة لهم، وتعويد الأبناء على ذلك، فيكون بذلك رداً للجميل للوالدين ويعود على الوالدين بالحمد للأبناء من الآخرين والدعاء لوالديهم.


والأهم من هذا وذاك أن ينظر الإنسان إلى نفسه بإيجابية، وأن يتجاوز عن الآخرين في أخطائهم وهفواتهم معه، فإن كان كذلك انعكس ما يفكر فيه على حياته وكان أدعى لأن ينال السعادة والرضا.
*******


أتمنى أن أكون قد وفقت بمداخلتي في هذه القضية


وأسال الله دوام التوفيق لي ولكم


دمتم بحفظ الله ورعايته