غِزْلان بَشَّرت بزَلازِل
خيري منصـور
* دار الخليـج
لو كان للراحلين أعمار تبدأ بعد ولادتهم الثانية تحت التراب لكان محمود درويش الآن في الثالثة، لكنه بالطبع لن يلثغ بالأبجدية، ولن يحبو ويتعثر كي يتدرب على المشي، فهو الطفل المعجزة، وهذا الوصف كان محمود قد أطلقه أثناء وجوده في باريس على الراحل سمير قصير . ورغم أن المقابر ليست أكاديميات ولا مجال فيها لتبادل الأطروحات والمُطارحات فإنها موعودة بقيامات منها الآجل ومنها العاجل، لهذا يحذف المبدعون والشهداء الفارق بين التابوت والمهد، ويولدون ثانية من صلب آباء يجترحونهم في التراب وعلى مقربة من جذور ساهرة، لأنها تحس بفطرتها الشجرية أن الجذوع والأغصان والعناقيد في خطر .
الغائب يزداد حضوراً إذا كان الغياب جسدياً فقط، وهكذا تبقى النّصوص عارية ومحررة من مشاغبات الأحياء وتحاسدهم، وكلما حاولت الكتابة عنه في ذكراه أو في أية مناسبة، ترتعش الأصابع التي تصافح الورق الصامت بدلاً من مصافحة أصابعه، تلك الأشبه بالنايات والتي حولت صاحبها إلى ميداس من طراز آخر، فليس كل ما يلامسه يصبح ذهباً، بل يتحول إلى شعر .
من سواه حوّل عبارات مثل “القادمون من الصناعات الخفيفة أو كهرباء السّد العالي” إلى شعر؟ ومن سواه اتسع قلبه الأصغر من قبضة طفل لمليون عصفور جليلي أنشدت للسِّرو والزيتون والزيزفون ما يعينها على الحفيف؟
في عامه الثالث بعد الولادة الثانية التي لم تحمل بها أم ولم تكن من صُلْب أب، يتقلّب الشاعر في قبره كما لو كان نائماً على جمر وهو يصغي إلى ما يحدث في وطننا العربي، لكنه لا يشهد وهو الذي سأل أحمد العربي في تل الزعتر وكل التلال:
أخي أحمد
وأنت العبد والمعبود والمعبد
متى تَشْهَد؟؟
متى تشهد؟؟
في تلك الآونة الحرجة من تاريخنا المعاصر يوم حذف الفاصل بين الشقيق اللدود والعدو الحميم، لاذ بالجبال فرمت عليه معاطفها الخُضر، لكن ما إن هَلَّ الخريف حتى وجد نفسه عارياً على القمة، تنهش النسور قلبه لأنه سرق سرّ النار، وقال إن الشرارة تولد من تزاوج بين حجرين .
آلاف وربما ملايين الحجارة تزاوجت على تلك السفوح، فكان الحريق الذي أضاء ليلاً عمره ألف عام وعام .
وما قاله محمود لماجد عندما سال دمه في روما نقوله له الآن كما لو كان صدى بنفسجياً . .
وهو: يا حلو من حَبَّك
فرساً من الياقوت
يا ليت لي قلبك . .
لأموت حين تموت . . .
وقد يطل علينا محمود من شاشة أو صفحة في جريدة، أو لحظة الغسق التي تذهب فيها الشمس إلى مكان آخر، لكن الغياب الأسطع من أي حضور يتلألأ في ذاكرة من عرفوه عن قرب، واقتسموا معه قهوته ودموعه وضحكته ذات البحّة المزمنة لفرط ما بكى قبلها لكن سرَّاً .
تبعاً لتقاويمنا، فهو الآن على تخوم السبعين، لكن هناك تقاويم أخرى للأبدية لا تعترف بعقارب ساعاتنا أو بأجنداتنا، ووفق تلك التقاويم هو الآن قيد الولادة . والرحم هو الأرض ذاتها التي تتصدّع من المخاض العسير، وهو الذي قال يوماً في وداع أخيه غسان كنفاني، إنه غزال بُشِّرَ بزلزالٍ . فهل بُشِّرَ محمود بقيامة قومية طال انتظارها في الساحات والنوافذ وعلى أسطح البيوت؟؟