مِنْ بَلَد كاسترو
خيـري منصــور
* دار الخليج
في الخامسة والثمانين، نأى الجسد وتفرغ لصراع المرض، بينما بقي الاسم برنينه الصاخب يتردد صداه في أرجاء الساحة العارية . فمنذ أعوام لم يقترن جسد كاسترو وهو الأشبه بقامة مسرحية، بالمناسبات الرسمية لكوبا .
إذا كانت بعض الأعمال الأدبية قد أصبحت أشهر من مؤلفيها مثل هاملت لشكسبير، وزوربا لكازانتراكيس، والغريب لكامو، فإن بعض الزعماء تجاوزت شهرتهم الحدود الإقليمية لبلدانهم، فهل حقاً أصبح فيدل كاسترو أشهر من بلاده؟ أم أن السنوات الخمس التي غاب فيها عن المسرح لينوب عنه شقيقه راؤول، أعادت إلى كوبا مساحتها الحقيقية وبالتالي لم يعد فائض شهرة الزعيم ينافس الجزيرة على شهرتها؟ لقد كان كاسترو أفضل معلن عن السيجار في بلاده، وإن كان أسوأ معلن عن السكّر، لأنه وصفه ذات حوار مع جان بول سارتر بأنه مُرّ، وأن الكوبيين وحدهم من يتجرعون مرارة قصب السكر .
تعرّض فيدل لأكثر من مئتي محاولة اغتيال، لكنه بلغ شيخوخته ليعاني أمراضها، وهو الرجل الإشكالي بدءاً من التكوين النفسي حتى الأيديولوجيا، فقد تخرّج في مدارس الجزويت المسيحية الصارمة، لكن ليصبح من أعلام الماركسية في الكاريبي وليس من القساوسة، وإن كان بعض محلليه يرون أن القس جاثم في عمقه، لكنه يتجلّى بصور مغايرة . وحين فاز صديق فيدل الكاتب الكولومبي ماركيز بجائزة نوبل، قال فيدل إن هذه الجائزة تخصّه أيضاً، وأعدّ احتفالاً استثنائياً بمناسبة فوز صديقه بالجائزة، وقال إنه يقبل بأن يوصف بأنه صديق ماركيز . تماماً كما رد ماركيز التحية بمثلها وربما بما هو أحسن منها عندما قال إنه يكتفي بلقب واحد هو صديق فيدل كاسترو، فالعلاقة بين الاثنين لم ينافسها في أمريكا اللاتينية إلا تلك العلاقة التوأمية بين سلفادور أللندي وبابلو نيرودا، وإن كان الاثنان قد رحلا بعد تجربة خائبة سياسياً رغم أنها مفعمة بالأحلام والرومانسية الثورية .
نذكر مثلاً أن ونستون تشرتشل قال ذات يوم إنه من بلد شكسبير، وردد العبارة ذاتها باللغة الروسية ستالين عندما قال إنه أيضاً من بلد ديستويفسكي، ويبدو أن هذا التنافس على الانتساب لما هو خالد في التاريخ، أصبح من سمات عصر شحّت فيه المعرفة الحقة لمصلحة التكنولوجيا المسلحة . فقبل أعوام، كنت مع الصديق الباقي محمود درويش نتناول القهوة في أحد الفنادق، وكانت سيدة شقراء طويلة القامة تخطو بثقة هي من تتولى خدمة الزبائن، وحين سألناها ما إذا كانت من البوسنة أو روسيا؟ أجابت على الفور بأنها من بلد رسول حمزاتوف، أي من داغستان التي نافس الشاعر اسمها في الشهرة على نطاق كوني .
لم نبتعد كثيراً عن فيدل والسجال عن حضوره الصاخب وغيابه الهادئ وهو يحتفل بعيد ميلاده الخامس والثمانين، فهو أراد منذ صباه أن يضم اسمه إلى قائمة المجتهدين في توليد الأفكار، وشأن كل زعيم مزمن في العالم الثالث أصر فيدل على أن يكون الوجه الآخر لكوبا، حتى آخر دقيقة من عمره .
قد يكون فيدل آخرهم، فتلك السلالة من الحالمين بتغيير العالم توقفت عند اعتاب الألفية الثالثة، حيث شمل التغيير كل شيء في العالم، وليس صورة الزعيم فقط، وآخر ما علّق به واحد من أكثر المتحمسين لفيدل، هو أن الساحة التي كان يخطب فيها بدت أشبه بمزهرية فارغة .





رد مع اقتباس