استغفر الله العظيم
قال الإمام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية وهو يتحدث عن حديث - النبي صلى الله عليه وسلم : ( .. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) - :
أخبر النبي بان ذلك الطيب يكون يوم القيامة ، فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال و موجباتها من الخير والشر ، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك ، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك ، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية ويظهر فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم ، وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون فلأنه وقت ظهور أثر العبادة ، ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته ، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى وبالعكس ، فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم ، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا ، فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد وصار علانية ، وهكذا سائر آثار الأعمال من الخير والشر .
وإنما يكمل ظهورها ويصير علانية في الآخرة ، وقد يقوى العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة .
قال ابن عباس : ( إنّ للحسنة ضياء في الوجه ، ونوراً في القلب ، وقوة في البدن ، وسعة في الرزق ، ومحبة في قلوب الخلق ، وإنّ للسيئة سوادا في الوجه ، وظلمة في القلب ، ووهنا في البدن ، ونقصاً في الرزق ، وبغضة في قلوب الخلق ) .
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : ( ما عمل رجل عملاً إلا البسه الله رداءه؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر ) وهذا أمر معلوم يشترك فيه وفي العلم به أصحاب البصائر وغيرهم ، حتى إن الرجل الطيب البر لتشم منه رائحة طيبة وإن لم يمس طيباً ، فيظهر طيب رائحة روحه على بدنه وثيابه ، والفاجر بالعكس . والمزكوم الذي أصابه الهوى لا يشم لا هذا ولا هذا ، بل زكامه يحمله على الإنكار . فهذا فصل الخطاب في هذه المسالة . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
( نقلاً من كتاب : الوابل الصيب ص 48 ، 49 )





رد مع اقتباس