|
|
فاطمة الهديدي: غياب النقد الجاد أضعف الحركة القصصية في الإمارات
تتذكر الكاتبة والإعلامية الإماراتية فاطمة محمد الهديدي بشغف تلك الليالي التي كان ينطلق فيها خيالها ليبني عالماً صورياً من تفاصيل الحكايات التي كانت أمها وجدتها تتناوبان على حكايتها لها صغيرة، ومع تشعبات الحكاية تتشعب الصورة الذهنية ويتسع الخيال لإبداع أشكال جديدة من الحكايات والعوالم، ولكي تكتمل أسباب الميل إلى الكتابة الأدبية لدى الهديدي الطفلة، وكان تحريض أبيها لها على القراءة، واستدعاؤها الدائم لتقرأ له كفيلاً بأن ينشئ علاقة وطيدة بينها وبين الكتاب، مكنتها من امتلاك أداة اللغة لتترجم لاحقاً نشاط الخيال إلى كتابات قصصية .
كانت فترة الثمانينيات والتسعينيات التي تفتقت فيها موهبة الهديدي في الكتابة فترة تحول اقتصادي واجتماعي عميق في المجتمع الإماراتي، فرضت طرح أسئلة كثيرة حول الكثير من قيم تقاليد هذا المجتمع وحول الأنساق الجديدة للحياة العصرية التي فرضت وجودها، مصاحبة لوتيرة التطوير السريعة التي انخرطت فيها الدولة في تلك الفترة، ووجد الكتّاب أنفسهم مرغمين على معالجة تلك الأسئلة مما جعل الموضوع الاجتماعي هو أكثر المواضيع حضوراً في كتاباتهم، فكانت قضايا الزواج والعلاقات الأسرية وقضايا المرأة وسلطة الرجل وقضايا العمالة الوافدة من أهم القضايا التي عالجتها القصص، ولم تشذ الهديدي عن ذلك فقد حفلت مجموعتها القصصية آثار على نافذة الصادرة عام ،1995 عن منشورات الوطن للطباعة في دبي بتلك الموضوعات وقدمت نماذج لشخصيات اجتماعية تعيش الصراع، وتقف على مفترق الطرق بين اللحظتين الحضاريتين، وواصلت نفس النهج في كتاباتها اللاحقة فصدر لها مجموعة “الصندوق” عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام ،2007 والتي تضم عدداً من القصص لكاتبات من الإمارات والخليج . استفادت الهديدي من موهبتها القصصية في عملها الإعلامي حيث تكتب مقالاتها ومعالجاتها الاجتماعية والثقافية بأسلوب حكائي وبلغة سلسة قريبة تحاول أن تجعلها تلقائية ولا تثقلها بالتكلف، فالنسق الحكائي حاضر في مقالاتها، فحين تعالج قضية التفاؤل في الحياة مثلا في مقال بعنوان “هكذا رأيت الجنة” تعالجها بحوار مع شيخ طاعن في السن مجرب، وهو النهج الذي درجت عليه في كتابها الأخير “رأيتها” الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة الذي يضم مجموعة من مقالاتها .
في تقييمها لواقع القصة القصيرة في الإمارات تشكو الهديدي من غياب النقد الموضوعي الجاد المؤسس على رؤية علمية، وتقول: “يشهد السرد تطوراً يعكس متغيرات المجتمعات العربية، ومما لاشك فيه أن مساحة وجود القصة القصيرة الإماراتية واسعة بشكل عام وما حققته الكتابة النسوية في المشهد الأدبي الإماراتي حاضر بصرف النظر عن تفاوت مستوياته ورؤاه، وأتفق إلى حد ما مع الرأي القائل بأن القصة الإماراتية قد تخلفت قليلا عن النضج الواجب وهذا ليس لكون التجارب في هذا المجال فردية تفتقر إلى الوعي، وإنما لغياب النقد العلمي والحقيقي البناء” .
وتضيف الهديدي: “بالنسبة للقصة في الإمارات فقد تخطت مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإبداع، لكنّ هناك تباطؤا واضحا في مستوى وكم المنتج القصصي، وهذا له مبرراته، علما أنها مبررات في الغالب ليست إبداعية أو فكرية أو حتى إنتاجية، بقدر ما هي مبررات حياتية تؤثر بشكل مباشر في مستوى ومضمون وكم الإنتاج الأدبي” .
ورغم ذلك الواقع تبدو الهديدي متفائلة بالمستقبل وتدعو إلى دعم الكتابة القصصية، تقول: “إن واقع القصة في الإمارات يبشر بالمزيد، ولكنّ هذا المزيد يحتاج إلى رعاية واهتمام مختلفين، سواء أ كان ذلك في جانب النشر أو على مستوى النقد، ولكن الأهم بالطبع هو جانب النقد” .
تأخذ الهديدي على الكتّاب الجدد استسهالهم لمقومات الكتابة الأدبية، خصوصاً في جانب اللغة التي تبدو في كثير من التجارب مهلهلة وضعيفة، كما تقول: “هناك بعض الأسماء تظهر على الساحة بإصدار من حين لآخر، لكن حين تطّلع على إصدارها تجده يفتقر لكثير من الخصائص الأدبية والإبداعية، وأولها اللغة، التي تأثرت ربما بالهجمة الشرسة لتغريبها وتفكيكها، وتغليب العامية عليها، وحتى هذه لم تسلم من التشويه والتصريف الخاطئ لمفرداتها، ناهيك عن سيادة اللغة الأجنبية والانحياز لها، وتأثيرها الكبير إن لم يكن المباشر حتى في طرائق ومستوى التفكير” .
وتضيف الهديدي: “مع ذلك لا يمكن تجاهل تجارب أدبية جادة وجيدة ظهرت وبرزت، وهي تشتغل على أدواتها وعلى مشروعها الإبداعي بالاهتمام بالمعرفة وبالتقنيات الفنية لكنها قليلة مقارنة بالغالب، وهؤلاء عليهم مسؤولية تجاه ما شاب الواقع السردي من تراخ وربما استعجال، ولابد أن يتاح لهم المجال لتنقيحه” .