|
|
بورخيس العربي
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
الأباطرة والقياصرة والتجار لم يجدوا خورخي لويس بورخيس لكي يحشوا فمه بالذهب، هذا الشاعر الأرجنتيني الذي تجري في بدنه عشرة شرايين عربية (مولود في 24/8/1899)، ولكن من يقترب من صورته التي هي صورة ضرير في الخامسة والخمسين من عمره يتوكأ على عصا تطرد عنه الظلام، يظن أن بورخيس مولود قبل الليل وقبل التاريخ .
أحياناً تشعر أن مسقط رأسه جاء على حجر في بغداد عندما يشير إلى “رائحة الزهور المتفتحة في الجنة على ضفاف الفرات”، وأحياناً تشعر أنه كان يضع تحت رأسه في طفولته كتاب “ألف ليلة وليلة” من دون أن تأخذه تلك الحسية المادية المباشرة للشرق، فهو شاعر طهراني، استنشق من الشرق رائحة خشوعية من دون أن يغرق في أي تصوّف سوى تصوّف ذاته .
في دمه تلك الحيوية المشتقة من النزق الكاريبي الذي يمجّد الحياة، ومع ذلك كما لو أنه مرّ ذات يوم من الجزيرة العربية نحو كثبان امرئ القيس، ليخرج من الجاهلية إلى صدر الإسلام . . يقول بورخيس في إحدى قصائده:
“كل الحمد مذخور
لله الذي لا ينام
والصلاة على الرسول محمد” .
وفي مكان آخر كما لو يولد بورخيس من رحم امرأة عربية، ففي مجموعته “مديح الظلام” يقول:
“السكسونيون والعرب والغوطيّون الذين أنجبوني من دون أن يدروا . . هل أنا هذه الأشياء وتلك أم أنها مفاتيح سرية ومعادلات عسيرة؟” .
عندما يكتب بورخيس الشعر من مرجعيته الشرقية أو الشرق أوسطية لا ندري كيف يتقاطع مع روح شاعر آخر هو رسول حمزاتوف الذي تجري في عروقه هو الآخر دماء عربية، ولو التقى الاثنان في زمن عربي واحد لربما اشتركا في هذه الرؤية إلى صورة الدكتاتور .
يصرّح بورخيس بلا مواربة “الدكتاتوريون يجلبون الظلم، الدكتاتوريون يجلبون القسوة والعبودية، والأبغض من ذلك يجلبون الحماقة” .
كان بورخيس “يحب أو يكره” المرايا، الأغلب أنه كان يتمرآى في الرمل، فرمل الأرض هو مرآته، هذا الشاعر الذي انتصر على الظلام وعاش طيلة حياته وهو يتعقّب العبّودية رافعاً راية الحرية في جميع المتاهات التي أوصلته إلى الرؤية الكاملة .
حلم بورخيس بقرطاجة، حلم كما يقول بالسيف وبالميزان، وبارك العشق “ . . الذي لا يوجد فيه مالك ولا مملوك” .