هويات على نار بطيئة

خيري منصـور

* دار الخليج





عندما أصدر تيد روبرت جار موسوعة عن أقليات العالم، وهي حسب إحصاءاته أكثر من مئتي أقلية بعضها في خطر . كانت نهاية الحرب الباردة قد فتحت الباب على مصراعيه لجملة من المراجعات، انتهت بانفجار ما كان مؤجلاً أو معلقاً لأسباب منها قوة الدولة أو سطوة الأيديولوجيا، وحين نعود اليوم لقراءة تلك الموسوعة نجد أنها استثمرت إلى حد كبير المتغيرات السياسية في العالم بعد أفول الاتحاد السوفييتي، بحيث أصبح سؤال الهوية ولأول مرة منذ القرن التاسع عشر يتصدر الهواجس القومية للشعوب خصوصاً تلك التي ترى أن هويتها جريحة أو تتعرض لانتهاك وقضم، وكان أن تحول فائض الهوية إلى عنف لا يخلو من عرقية مقابل هويات تعاني من نقص في تكوينها أو ما يسمى الهويات النيئة .

وكان العقد الأول من هذا القرن الذي دشنته أحداث سبتمبر/ أيلول الأمريكية عام 2001 مجالاً حيوياً لسجالات لا آخر لها حول مفهوم الهوية . وما كتبه الفرنسي من أصل عربي لبناني الروائي أمين معلوف عن الهويات القاتلة كان بمثابة بيان ثقافي وسياسي عن حوار الهويات وتلاقحها مقابل صراعاتها وما يسمى النبذ أو الإقصاء المتبادل بينها .

فهو كما قال عربي ولبناني وفرنسي إضافة إلى الصفة الأولى وهي كونه بشراً، وما إن ظهرت دراسة الإيراني داريوش بالفرنسية أيضاً عن إرهاب الهوية حتى بدت المسألة وقد تحولت إلى ظاهرة وهاجس كوني عابر للقارات والحدود . .

وفي هذا المناخ المشبع بالتوتر والاحتقانات الإثنية حول مفهوم الهوية حاولت الصهيونية أن تثير مجدداً السؤال المؤجل حول هوية اليهودي، وهو سؤال بدأه إسحق دويتشر في كتابه الشهير وذي العنوان الإشكالي وهو “اليهودي اللا يهودي” أو بمعنى أدق اليهودي المضاد .

ولأسباب منها، بل في مقدمتها، عدم الرغبة في إزعاج اللوبي اليهودي في أمريكا أعيد ملف الهوية إلى الأدراج، لكن هذه الأدراج تفتح بين وقت وآخر ثم يعاد إغلاقها لأن تعريف اليهودي ما يزال ناقصاً، خصوصاً وأن هناك من المتطرفين من يشترط “الأسرلة” أو الهجرة إلى أرض الميعاد تبعاً لمعجم الميثولوجيا اليهودية لاستكمال هذه الهوية . .

والهوية الناضجة المستكملة لعناصرها يتنفسها الإنسان دون أن يسأل نفسه من هو؟ ولا يثار السؤال حولها إلا عندما تكون عرضة للشكوك أو في خطر .

فالفلسطيني مثلاً تتلخص هويته الأم في كونه عربياً سواء كان مسلماً أو مسيحياً لكن إلحاحه على هويته الفرعية جاء لأسباب طارئة، وهي الاحتلال والاستيطان وتعرض الهوية للسلب والاستبدال .

إذن هناك مقترب إجرائي أو تكتيكي أحياناً للهوية عندما تكون في خطر، لكن ما أن تستعيد عافيتها حتى تعود مجرد رافد أو ساقية تصب وتندمج في النهر الكبير، الذي تتشكل من مجراه الهوية الأصل والأم .

لم تطفئ العولمة جمرة الهوية ولهبها تماماً كما فشلت الكوزموبوليتية قبل نصف قرن في محو أو حذف هويات لمصلحة أخرى .