نصيب الغزال!

خيري منصور

* القدس العربي





احتكاما الى منطق القوة، او ما يمكن تسميتها الداروينية السياسية، أطلقت عبارة نصيب الأسد على كل من ظفر بما هو اكثر، ونادرا ما تحدث الناس عن نصيب الفراشة او الغزال، ما يأخذه الأسد بأنيابه ومخالبه المشحوذة هو لحم الضحايا وان كان يترك ما تبقى من الاشلاء للضباع، وما يأخذه الغزال هو وجبة خضراء متواضعة تليق برشاقته ونباتيته وسيرته الذاتية، التي اقترنت بجمال المرأة وعطرها ما دام المسك هو من نصيبه، لا من نصيب الاسد او الضبع ذي الغدة الكريهة التي يحمي بها نفسه عندما يتعرض للخطر، بحيث يصبح مدينا لما تبقى له من عمر لرائحته النتنة التي تنفّر الاخرين منه ويعفّون عنه حتى لو كانوا يقرضون باطن الخد من الجوع، وللغرابة فما من كائن شعر بالزهد يوما لأنه ظفر بنصيب الغزال ظنا من الناس ان الغزال خلق لسبب واحد فقط هو ان يكون وجبة دسمة للضواري.

وحقيقة الأمر ان الغزال لم يترك للأسد والنّمر والضبع نصيبا يُعتد به، غير الفريسة والجيفة والتثاؤب من فرط البطالة، صحيح ان اظلافه ليست درعا يقوى على صد المخالب، وبطنه الضامر الرشيق لا يتسع لأكثر من باقة عشب وجرعة ما لكنه يتناسل رغم مصيره المحتم، كي يعطي للغابة والبراري معناها الذي بدونه يبقى ناقصا ما هو أبهى وأشهى، أبهى لمن يتأمل الوردة ويسقيها لكنه لا يسيل لعابه على طبخها كالبصل، وأشهى بالنسبة لمن يقاده لعابه الى الطريدة، وان كان الاسد كما النمر هما في نهاية المطاف كما وصفهما بول فاليري قطعان خراف مهضومة وقد تم تمثلها ... فالذي يعدو وينشب مخالبه بقوة ليس الأسد كما نراه من سطحه بل هي تلك الولائم التي غذّت عافيته، وبهذا المعنى فإن الخراف تفترس خرافا والغزلان تصطاد غزلانا لكن بعد ان تتحول الى خلايا أسدية وعافية متوحشة من خلال الحيوان الذي عاش على دمائها ... وبهذا المعنى يصبح الاسد أشبه بالبقّة رغم كل ما ينعم به من القاب كسيد الغابة او ملك عليها، لأن دمه ليس منه وليس له، فهو تماما كالبقة التي وصفها ماياكوفسكي ذلك الطفيلي الذي يمتص دم سواه، بخلاف الغزال الذي يفرز دمه ومِسكه ولعابه النظيف مما يتغذى به من نبات وكلأ. ولو كان التاريخ ذا بعد واحد وبلا جدلية خالدة لخلت الغابة من الغزلان، لكن ما يتعرض للانقراض الان هو المخلب والناب وليس الأظلاف الهشة والاجساد النحيلة، وليس هذا الملكوت البري بعيدا عن تاريخ البشر، انه احيانا المعادل الحسي له، فأكلة لحوم الانسان من أباطرة التاريخ هم الذين تلاشوا ومن اعتدوا بالقوة وحدها هم الذين هزموا امام الضعف القوي، سواء تمثل في الفن او المقاومة او مجابهة النعيق بالغناء ...

منذ رأى الانسان الغزال وهو يشبه من يحب بأنثاه، ومنذ رأى الاسد وهو يشبه اللبوءة بمن لا يروق له من النساء، فكان الثواب كما العقاب تعبيرا عن عدالة رمزية هي ما دفعت الشاعر العربي الى القول بأن البعوضة تدمي مقلة الأسد، ومن الناحية الفيزيائية هي ليست على النقيض من الشعر احيانا اسقطت عصافير طائرات لمجرد ان ارتطمت بزجاجها وكأنها تدافع عن وطنها الذي هو السماء!

* * * * * * *

ان ضعف الاسد في قوته، كما ان قوة الغزال في ضعفه، وان كان للحيوان ايضا عقب آخيل حسب الاسطورة الاغريقية فإن عقب آخيل الاقوياء هو قوتهم لأنها غالبا ما تكون مَقْتلهم، والحرب الممتدة التي لا يقر لها قرار ولا تعرف الهدنة على الاطلاق هي تلك التي دارت منذ الكهف بين قوي اخرق وضعيف ذكي. وثمة حكاية تروى عن أسد أقنعه كلب أجرب بأن يساعده على ان يتولى زعامة الكلاب، وكان شرط القطيع على هذا الكلب ان يحضر لهم اسدا مكبلا بالحبال، ثم يزعم انه كبّله وانتصر عليه، وحين قبل الاسد اشفاقا تخلى الكلب عن وعده ولم يحل وثاق الاسد، فبقي ملك الغابة مكبلا مكانه جائعا وظامئا الى ان مر به قرد وسأله عما حلّ به، فروى الاسد للقرد الحكاية، عندئذ اشفق القرد على الاسد وحلّ وثاقه ثم فوجىء بالاسد يتجه نحو خارج الغابة بحثا عن نهر او مستنقع ينتحر فيه، وأصرّ القرد على فهم السبب، فأجابه الاسد ان غابة يربط فيها الكلب ويحل فيها القرد لن اعيش فيها والموت أرحم!

* * * * * * * * *

في احدى قصائده الرومانسية تحدث الشاعر كيتس عن غزال مرسوم على مزهرية، وهو يعدو بأقصى طاقته.. وقال انه سيظل يعدو الى الأبد ما لم تنكسر المزهرية .... وغزال كيتس هذا لا يعدو فرارا من اسد او نمر او فهد يتعقبه، انه يعدو فقط، وما من مكان يتجه اليه، لأنه يعدو في الجهات الخمس والجهة الخامسة هي السماء لأنه يوشك ان يطير.

وككل شعر غني وقابل للتأويل تعددت التفاسير حول غزال كيتس، وان كان أعمقها ما قيل عن الغزال بأنه سيواصل الركض حتى بعد انكسار المزهرية وفي مساحة أرحب منها هي قصيدة كيتس ذاتها!

ثمة من يعدو ليفترس مقابل من يعدو ليننجو، وهذه هي خلاصة الثنائية الازلية بين القاتل والضحية، فما من غزال كان يعدو ذات يوم اثر ارنب او فراشة او عصفور كي يفترس احدها، لهذا فهو رغم كونه خلية من عافية الاسد كما قال فاليري، يعلن عن عصيانه على هذه العافية ليقول للوحش بأن من يعدو ليعيش ليس كمن يعدو ليقتل.

*** ****

كنا نسمع في طفولتنا عبارة دافئة وحميمة بقدر ما هي غامضة، هي النوم الغزلاني، فالغزال تبعا لهذا الوصف لا يغمض عينيه تماما وهو نائم لأن جسده هدف للمخالب والأنياب كلها، وعليه ان يكون حذرا حتى في النوم، لهذا لم تنقرض الغزلان، بل تضاعف عددها في الاماكن التي يحرم فيها اصطيادها، بينما تعرضت الضواري الى الانقراض بعد ان تحولت عافيتها وفائض قوتها الى عبء عليها وعلى ضحاياها، والطبيعة التي دافعت عن اللؤلؤة عندما وضعتها داخل محارة هي الأقسى من اي صخر، كانت تستجيب لعدالة من طراز آخر، حيث لا حاجة الى اصحاب معجزات او فلاسفة وحكماء كي تستدل على الابهى والاغلى من كائناتها، وحين تقلب الفحم ملايين السنين وهو يتعذب كي يتجوهر ويتحول الى ماس كان امثولة فيزيائية هي من صميم الشعر وكأن العذاب والعذوبة توأمان، فاللؤلؤة لا يؤتمن عليها غير المحارة القاسية، وللوردة ايضا حاشيتها من الحراس هم اشواكها، ولثمرة الصبير الاشبه بالشهد حدودها الاقليمية المزروعة بالاشواك، وهذه ليست بشائر لمن ولدوا بلا انياب ومخالب، او لمن خلت قلوبهم من الكراهية، لأن التاريخ انقلب على الطبيعة وأفسدها تماما كما افسدت الخبرة الفطرة البريئة... فعلى من يبحث عن نصيب الاسد ان يتجه الى حيث تتحول شيخوخته الى كمين وان ينتهي في اقاصي بطالته وعزلته الى جيفة عزلاء الا من رائحتها النتنة، اما من قبلوا بنصيب الغزال، فشكرا لهم على المسك والعيون المكحلة بقلم منحوت من أبنوس واخيرا على كل ما هو ضامر ورشيق وعفيف اللعاب!!!