|
|
لا أريد لهذه الحياة أن تنتهي'!
البشير التهالي
* القدس العربي
'الحياة على الأرجح تبدأ من النقطة الصغيرة الممحوة. النقطة التي لا تكاد ترى، بين احتضار الصوت وولادة الصمت. بين انتهاء الكلام وبدء السكون' (وديع سعادة).
لستُ منك أيها الوقت!'مجاديفُك المعلقة في جدران الغرفة تنذر بعاصفة من الأكفان. السبت سلطان الكآبة، الأحد مزرعة السراب، الأربعاء ثلاجة الخسارات، الخميس ملح في الحلق ، الاثنين مِبْرد الحظ.... مرغما، أمخر لجتك الطينية، تطاردني أرانبُك التي تقذفها كي تربك المصيرَ الذي صنعتُه ثوبا لأخطائي. كائناتٌ تنتسب إلى عُزلتي تزودني بالسهام التي أطلقها في وجهك؛ العالم كله يريدني فارسا ينتبه لسمعة الطاحونة، أحمل جثتي معي لتذكرني بالبدايات والنهايات، وأفكر في خارطة أكثر وفاءً لنيران القبيلة. لا يريدني أحد أن أعلق الآتي في مسمار الآن، وأطرد الماضي من جنة الأزمنة. لن أكون أبدا خائنا لمسك المتاهة الذي يضوع في دماغي مثل تربة دامية، ولن يكتب العابرون في غيماتهم أنني مزقت عهودي بأنياب الغيب. أعرف سُفُني جيدا، وأعرف ثقوبها التي سَيَفِر منها الجبناء حين تصيح بهم موجاتُ الأبد. لن أغتر بالذهب الذي يوزعه الصيف على الأرصفة، ولا بالوردات الراقصة في أجفان الربيع.
للوقت سيفٌ كدخان السحَر، وأنا طيفٌ يقتات من غثاء الملحمة، ويسبق الفَراشَ إلى النار. أُشْهِرُ نَصْلَ الكسل في وجه أعدائي الذين تغضبهم خطواتي إلى الوراء. أرتاح كثيرا حين تلتهمهم سُرة الأزل، ولا يشعرون أن الأطلالَ جذورُ السماء في الأرض.. حديقةٌ سِرية للنجوم، أو ملهى ليليٌ يرتاده القمرُ أيامَ العَجوز. أرتاح أيضا حين تُصابُ الشمس بالخرف، فتغار من عشاق يشربون أشفارها. لأمر ما تمر الدقائقُ أمامي غيرَ مكترثة ببنادقي التي أَجْهَدَها العزْفُ في الفراغ.. منظرُها الجنائزي يليق بعداوة ذئب أطرش. تمر تحت ناظري كالثلج في بركان، كلما لامستُها أكتشف كم كان النهار غبيا حين اتخذ الليلَ زوجةً ثانيةً، والريحَ منزلاً ريفياً.
سأحارب نباحَ الأجراس، وسأرمي كل ساعة في عروق التيه، حتى لا تهتف العقاربُ بحياتك أيها الوقت، لا أريد لأصدائك أن تتعدى ضفافي، لترجمني بيتم يَصْلُح روضةً للعميان. سأملأ رئتي بغبار الرحلة لأطفئ الفوانيس التي ضللتنا بها طويلا، حتى حسبناك رحماً للملائكة، وأغلقتَ تخوما تعبرها رؤانا بنعال لا تشيخ. لن أصدق القبعاتِ التي ترفعها حين تأتيك أعمارُنا مزهوة بنصيبها من السرى؛كلنا لديك زبائن أعوزتهم الوسيلة، فظلوا يَعُدون طرْفات عينيك، لتمدحهم بشتائم معسولة، ثم يتبعون نهرَك إلى سدرة الهباء. قطيع الذبائح لا يسعني مثلهم، أنا رائحة فقط، أنا حبة نافتالين يَشرَق بها الهواء. سِيرَتي ثأرٌ بطيءٌ من لعنة الغروب.. جمرة تنفثها الغواية في مقلة اليقين. حياتي هدية مفخخة بين يديك أيها الوقت، لا تفتح الصندوق حتى تنظر حولك، وتطمئن على طبق الجماجم هل يحتمل جبلا من الأفكار، وتهيىء أسنانَك لنزال فاكهتي بما يلزم من قواميس المرارة. أَنْذِر عشيرَتَك كي لا ينتظروك عند المنحدر، أخبرهم أنك ستتأخر عن المأدبة، وأن يناموا فرادى في زاوية من أحلامهم، وتظل النوافذ مشجباً للغرباء. اسألهم إن كان الأسفُ يعوزهم، وأن يبدلوا وجهَك إذا نسوه بقناع الدهشة.
لا أخشى أن تجنيَ نبضاتي؛ لأن وعولَ قلبي ستغرق في النبع قبل أن تصل، وستغدو مناجلُك تاجا لأعناق الأمل. أنت لا تتقن فن الحنين، ولا تروقك المناديلُ المبللة بالكبرياء. البذور التي زرعتَها في حقولنا أثمرت دموعا تشربها نُوقُك المتربصة بالقادمين. حُراسُك الذين أرضعتَهم سلافَ الغدر، كنتُ أقاسمهم عيداً آخر لَفَظَتْه الفصول. قلاعُك التي تهذي بها الآفاق، سلمتُها شَعَر الهزيمة قربانا، فصدقت النبوءةَ النازفة من عيني.
أيها الوقت، يا شط المراثي، يا ذباح عصافير الخلود، لم يوبخك أحد حين كنت تقطع أشرطة الحرير حول الزلزال، ومسختَ الأشجارَ نعوشا فاغرة تُبحر في الرماد. فاترك آثارَنا، وتعلق بأذناب الديناصورات لتأخذ مقاساتها المستحيلة. اترك ساحاتنا ينط فيها النرد الذي جردته من أسمائه. هكذا ينبغي أن تتكلم أيها الوقت؛ بلا لسان تلفحنا وعودُه. كُنْ عدوا للحُفَر، وأنيسا لصافنات العودة. النزهةُ ممتعةٌ أكثر حين تتيه في المجرة، فتتبعك الأرضُ معتدةً بضفائرها البرية؛ مثلَ عاشقين يُرَوِضان القدرَ بِسِياطِ القُبَل.
تمة أريكةٌ ثالثةٌ لم تَلْسَعْها أنفاسُك، هناك بعيدا عن شُباكي المرصع بحكايات لم تقع؛ فلا تعبأ بالسعادة التي تعوي في مرآتي، إنها صيغةٌ أقل زيفا لوجودٍ مؤجل. دَع المساء تؤدبه الصحراءُ قليلا، واقترضْ شجاعتَك من شلال أخرس؛ لتنفضَ العدمَ المغروس في طاولتي ... فأنا لا أريد لهذه الحياة أن تنتهي!
ملاحظة موجهة لنقاد محتملين: القصيدةُ خيطٌ منسولٌ من 'جدارية' محمود درويش.