“الربيع العربي” يزهر سينما جديدة

ندوة نقاشية تناولت تأثير الثورات في الفن السابع







“الربيع العربي وتأثيره في السينما” كان عنوان الندوة النقاشية التي عقدت مساء أمس الأول في فندق فيرمونت باب البحر ضمن الفعاليات الخاصة في مهرجان أبوظبي السينمائي،

أثارت الجلسة التي تطرقت إلى تأثير الثورات العربية في المنطقة على السينما العديد من النقاش بين السينمائيين والنقاد والجمهور، حيث جاءت بتوقيت لامس وجدان كل عربي وأثارت الكثير من التساؤلات التي بقي بعضها معلقاً، بينما اختلاف الرأي كان حاضراً أيضاً حول ماهية الاختلاف بين تجارب الدول وما يمكن أن يفرزه ذلك من تجارب سينمائية .

أدار الجلسة الناقد السينمائي المغربي مصطفى المسناوي، بحضور رئيس لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة في المهرجان السوري نبيل المالح، والمنتجة السورية هالة العبدالله، والسينمائي والمنتج التونسي حبيب عطية رئيس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، والفنانين والسينمائيين المصريين عمر واكد وخالد أبوالنجا، ودعا الفنان خالد أبوالنجا الحضور في بدايات الجلسة إلى الوقوف لحظة صمت على أرواح الشهداء في الوطن العربي .

وجاءت الجلسة لترصد التحولات الفنية الحالية والمستقبلية في العالم العربي الذي شهد وما زال ثورات ضد أنظمة حكم فيه، وحول هذا الشأن بدا الحديث من مركز انطلاق الثورات العربية من تونس والحديث لحبيب عطية الذي قال: “لا بد لنا من طرح تساؤل حول ما إذا كان هناك ربيع عربي في السينما، لكن الوضع في تونس مختلف عن غيره، حيث إن أول رد فعل جاء في نطاق السينما بعد الثورة كان نابعاً من النظام التشريعي، فكان النتاج يتركز حول المركز الجديد للسينما في تونس، فبعد أن كان كل ما يخص السينما بيد الحكومة ورقابتها، أصبح اليوم أول فعل بهذا الشأن هو إبعادها عن الحكومة والسياسة، حيث كانت لنا فرصة ولحظة استثنائية جمعت كل السينمائيين في تونس لتكوين مركز وطني للسينما تشرف عليه وزارة الثقافة لكنه بعيد عن رقابتها وإدارتها حيث يديره السينمائيون، وهذا الامر جديد على نطاق صناعة الافلام وبالتأكيد فإن تكوينه سيسمح بخلق سينما تونسية جديدة”، وحول أهداف هذا المركز قال: “نترقب أن يكون مركزاً للسينما التونسية، وحرية التعبير والتفكير والرقابة هي العناصر الأكثر تأثراً في الثورة، إلا أننا لا يمكننا القول ان الرقابة ستزول بين يوم وليلة، لكننا نسعى إلى ذلك” .

وأشار مصطفى المسناوي مدير الجلسة إلى أن الاختلافات بين دولة وأخرى وتجربة وأخرى لا بد أن يكون لها وقعها سينمائياً، متوجها بالسؤال إلى هالة العبدالله حول تجربة سوريا وتأثيرات ما يحصل اليوم على أرضها على السينما فأشارت قائلة: “لا بد أن أبدأ من بداية تأسس السينما في ظل وجود النظام السوري الحالي منذ 40 عاماً، إن حكم النظام في سوريا له تأثيراته المباشرة في السينما السورية، فمنذ وجوده كانت السينما بوجود مؤسسة السينما التابعة لوزارة الثقافة، تلك المؤسسة تحوي كل الطاقات المبدعة وكل التقنيات السينمائية، إلا أن نتاجها لم يكن بقدر حجمها، ففي العام يكون نتاجها فيلماً واحداً أو حتى نصف فيلم، برغم قدرة المؤسسة على انتاج ما يقارب عشرة أفلام في العام، فالفساد في المؤسسة والروتين والبيروقراطية، هذه العناصر الثلاثة قاتلة لأي إبداع، فالإنتاج قائم على المزاجية البحتة برغم وجود الطاقات، والفساد المتفشي في المؤسسة ينتج عنه دائما أزمة مالية فيها”، وحول تأثير الثورة في سوريا على السينما قالت العبدالله: “ان الثورة في سوريا لها أثر عميق في انطلاق الطاقات، فمنذ ما يقارب 40 عاماً إلى اليوم، يقوم المخرج بعمل أو عملين، بينما خلال ثمانية أشهر من انطلاق الثورة في جميع انحاء سوريا نتجت سينما جديدة هي سينما أولئك الشباب المشاركون في المظاهرات”، وأشارت العبدالله أن الثورة خلقت نوعين من السينما قائلة: “هناك نوعان من السينما، سينما موجودة داخل كل سينمائي منذ 30 عاماً أو أكثر، وسينما أخرى يقدمها شباب ثائرون أعمارهم بين 20-30 عاماً، يقومون كل يوم بتصوير وتوثيق أفلامهم القصيرة من دون ان يكون لديهم امكانات سوى تلك الهواتف النقالة التي يحملونها، وأعتقد أن تلك سينما تعد نتاجاً جميلاً للثورة، فكل يوم ونتيجة المظاهرات اليومية في سوريا نشهد نتاجاً سينمائياً، بأيدي شباب يعملون كل يوم على تسجيل الأحداث للمشاهدة، فيستغلون تلك اللحظات النادرة، وهذه هي خصوصية سوريا واختلافها عن تونس ومصر، حيث نجح النظام بأن يمنع وسائل الإعلام والمخرجين والمصورين من أن يروا ويوثقوا وينقلوا للعالم تلك اللحظات، ولهذا قام شباب الثورة بكسر جدار الصمت، فكل من يقوم بتصوير تلك المشاهد يكون هذا هو فيلمه الأول والأخير، هي أفلام ذات ثمن غالٍ، الثمن هو حياة أولئك الذين ينقلون تلك الصورة للعالم، فهناك 3500 شهيد نتاج ثورة سوريا إلى الآن، هناك المئات منهم صناع أفلام، مدة الفيلم الواحد منها يقارب الدقيقتين” .

وتحدث خالد أبوالنجا، عن حال السينما في مصر بعد الثورة فقال: “كل تجربة تختلف عن الاخرى، لكن لنركز على ما يجمعنا لا على الاختلاف بيننا، فالثورة في تونس أثرت في مصر وليبيا واليمن وسوريا كما أثرت حتى على الدول التي لم تحدث فيها ثورت، ولعل من المهم ان نتحدث عما يجمع تلك الثورات، لأن ما يحدث ان كل تلك الدول هي أمة واحدة ولها نفس المطالب، عيش . . حرية . . عدالة اجتماعية، وهذا ما يجب أن نركز عليه قبل ان نتحدث عن اختلافات التجارب، كذلك في مصر لدينا مجلس جديد ولن يكون مهرجان القاهرة تابعا للوزارة، أما سينمائياً فيمكن القول ان ما نشاهده الآن من أفلام هي نتاج تلك الثورة، فأفلام مثل “تحرير 2011: الطيب والشرس والسياسي”، و”18 يوماً”، هي أعمال تشكل تغيراً حقيقياً في السينما على مستوى الافكار والشكل الفني، فتلك الأفلام عبارة عن أجزاء ونتاج تعاون بين عدد من المخرجين”، وأشار أبوالنجا إلى انه يعمل على فيلمه الذي بدأه خلال الثورة وهو بعنوان “تحرير التحرير” .

أما الفنان عمرو واكد فقد أشار إلى تأثير الثورة في السينما بمصر قائلاً: “ان تأثير الثورة في السينما يتجسد بأفلام كانت نتاج الثورة وما بعد الثورة، ففيلم “18 يوماً” هو عدد من الأجزاء في فيلم واحد، وفيلم “تحرير 2011” هو أيضاً فيلم من ثلاثة اجزاء، فأنا أرى أن هناك انتصاراً للسينما وان هناك ربيعاً سينمائياً عربياً، ولولا الربيع العربي لن أخاطر لأنتج فيلماً مستقلاً بميزانية كبيرة، وأعتقد أن الفيلم المستقل سيسيطر على شريحة من السوق، والفنانون الذين هم تحت الأرض اليوم سيكون لهم فرصة لأن يصبحوا فوق الأرض، وأعتقد أننا سنعيش عصر “اكتتاب الأفلام” لأن الشعب كله سيشارك في إنتاج الفيلم وسيكون على ذائقة الجمهور ويتم ايصاله لهم بالطرق التكنولوجية الحديثة” .

بينما أشار السوري نبيل المالح قائلاً: “أنا اليوم أشعر بالعجر وهو أسوأ احساس يمكن ان يشعر به السينمائي أو غيره، فالاحساس بالصغر والقزمية امام الشارع وما يحدث هو ما يشعرني بذلك، فهناك الكثير من السينمائيين الذين تشردوا والذين تم اقصاؤهم في ظل النظام الحاكم، بينما الشعب البسيط هو الذي يقود المرحلة اليوم، وأشير إلى المرحلة السينمائية هنا ايضا، فكثير من شهدائنا سينمائيون، لكن حول الاختلاف بيننا وبين كل من تونس ومصر، اننا ما زلنا في بدايتنا أولاً، وان الشهادة الكونية المتوافرة بالتغطية الإعلامية الموجودة في كل من مصر وتونس هي غير متوافرة في سوريا، فلدينا فقط المواطن وهاتفه المحمول، وهذا دليل اهمية وخطورة ما يقدمه المواطن البسيط، ففي سوريا الوضع أخطر بكثير عن غيره من الدول، والآن نحن السينمائيون لا نستطيع ان نحيط بالحالة القائمة لأن هناك ما هو أهم من السينمائيين وهي نشرات الأخبار، لأنها قادرة اليوم على خلق دراما سورية، فالمواطن هو قائد السينما في سوريا اليوم” .

وحول علاقة السينمائيين بالثورات، وما خلقته في اختلاف الرأي تجاه الأنظمة، أشارت هالة العبدالله قائلة: الثورة خلقت امكانية أن نكون مع أو ضد الثورة، وللأسف هناك بعض السينمائيين اختاروا أن يكونوا مع السلطة برغم انه خيار قاتل لهم وللسينما، وأرى أننا لا يمكن ان نكون حياديين كسينمائيين تجاه الثورة .

وحول الشأن ذاته أشار خالد أبو النجا قائلاً: “لا يمكن ان نكون كسينمائيين حياديين بل يجب ان يكون رأينا واضحاً وصوتنا عالياً، وهذا هو الأمل” .

وأشار المسناوي إلى أن الثورة خلقت حالة جديدة من العلاقة بين المواطن والفنان بحسب انتمائه في الثورة وهذا يعد مقياساً جديداً للتعامل مع الفنان .

وقد عرض الفنان خالد أبو النجا خلال الجلسة عدداً من مقاطع الفيديو التي وثقت لأحداث الثورة المصرية، وأثارت تلك المشاهد ومن ضمنها أغنية أنجزها بعض الشباب خلال الثورة تفاعل الحضور .