مسرحية الرهان
الاتحاد / الرمس.نت
مسرحية “الرهان” قدمتها فرقة حتا للثقافة والفنون والتراث، وهي من تأليف وإخراج وسينوغرافيا جمال علي، وساهم في ترجمة مضامينها وغاياتها على الخشبة وبإتقان كبير الممثلون: محمود أبو العباس في دور (قاسم)، ومحمد إسماعيل في دور (إسماعيل)، وعبدالحميد البلوشي في دور (الرجل الغريب).
ومنذ إطلالة المتفرج الأولي على فضاء العرض يشعر أن ثمة وعد زاه وفاتن يخزنه المخرج للتفاصيل المشهدية والحوارات والمعالجات الأدائية المقبلة، حيث اشتملت السينوغرافيا على غلالة من القماش ممتدة في عمق الخشبة، بينما تتدلى أغصان الشجر على الجوانب العلوية من الخشبة، بما يوحي أن الحدث يدور في مكان ناء وبعيد عن المدينة.
يبدأ الدخول الحقيقي في أجواء العرض من خلال موسيقا موظفة جيدا ومتناغمة مع الانطباع الأول والمثقل بشاعريته ورهافته، ومن خلال نقلة معاكسة ومفاجئة نبدأ في الاستماع لأصوات طلقات نارية مدوية مع تسلل غيوم من الغبار والدخان إلى كامل مساحة الخشبة، ويتضافر هذا الصخب السمعي والمرئي مع حركة الدخول القوية واللاهثة للأخوين قاسم وإسماعيل، اللذين يجران عربة خشبية كبيرة في محاولة للنجاة بجسديهما وبأملاكهما الثمينة من جحيم الحرب الدائرة في المنطقة بين الأعداء وبين المقاومين، ومن خلال لغة الحوار العالية والمتدفقة بجمالياتها وعمقها وبلاغتها يبدأ الأخوان في سرد حكايتهما واسترجاع محطات مضيئة وأخرى حزينة من ذكرياتهما المشتركة التي تتداخل فيها أطياف الطفولة والعائلة وحنان الأم الراحلة وقوة شخصية الأب الذي لم يعد موجودا ولكنه ترك بصمته وشجاعته في شخصية قاسم، بينما نرى في شخصية إسماعيل الطيبة والمحبة اللتان ورثهما من أمه، نكتشف من خلال هذه الحوارات المتخمة بالشعر وبالسرد الذاتي الفائض والساحر، أن الأخوين وضعا رهانا ملزما قبل شروعهما في الهجرة ومغادرة البلدة المبتلية بكل صور الجحيم والموت والألم.
وهذا الرهان يتمثل في عدم تخلي أحدهما عن الآخر مهما حدث، ومع دخول شخص غريب بملابس عسكرية يدعي أنها ملابس للتمويه لا أكثر، ينقلب التناغم بين الأخوين إلى شجار ومشاحنات وصراعات تعيدهما إلى مسببات موت الأب وموت الأم حيث نكتشف أن ثمة أسرار داكنة ومروعة تكمن وراء موتهما أو مقتلهما بالتحديد، ومع سرد هذه الذكريات السوداء يستغل المخرج تقنية خيال الظل بتمكن وبحرفية عالية، ساهمت في تأكيدها وإثرائها مرجعية المخرج علي جمال السينمائية وخبرته في التعامل مع الكادر البصري، والذي بان تأثيره الجمالي الكبير على العرض.
يستغل الرجل الغريب حالة التنافر والكراهية التي تبزغ فجأة بين الأخوين، فينتزع بندقية كانت مخبأة في عربة الأخوين ويكتشف أن قاسم يعيد التاريخ النضالي لوالده ويزود الثوار بالسلاح سرا، ولذلك فهو لا يخطط للهجرة كما ادعى لأخيه، يكشف الغريب عن هويته ونعرف أنه منتم لمعسكر الأعداء، ويجبر إسماعيل على التخلي عن أخيه رغم الرهان الذي اتفقا على تنفيذه، بينما يجهز الغريب على قاسم بطلقة قاتلة يختتم العرض على وقعها المأساوي، وتتحول الإضاءة في النهاية إلى مقولة صامتة تشيع هالة من الجلال والهيبة على جسد الميت الذي بات الآن حيا في ذاكرة العاشقين لأرضهم، وذاكرة المناضلين والشهداء في كل مكان وزمان.





















