|
|
الشاعر أنطون دوشي: لا يضمني سوى رحم أمي سورية
* الثورة السوريـة
شاعر لم يستطع أن يكتب الشعر إلا بعد أن عبأته الحياة بالحرمان وحشت في داخله آلام الجروح التي نمت وترعرعت وأبت الرحيل فتحولت شعراً نقياً يشع كالجرح الطازج.
متأمل.. امتثل لنداء عمقه البعيد القريب، الصامت فكان أكثر أمانا من الضجيج حوله.. وعاش اطمئنانه وحيداً فما أروع الحياة حين يحاصرك الرعب وليس لديك ما تخسره..
مبدع أعطى صوتاً من الصمت الآخر وضجيجاً من السكون الآخر، وحياة من الموت الآخر وقصيدة من الفراغ الآخر.
الشاعر أنطون دوشي القادم من بلاد الغربة.. بابتسامة تفيض بحب الحياة والإرادة والروح المفعمة بالأمل.. بلغة عربية نقية لم تشوبها اللكنة الأمريكية.. تكلم القارئ والشاعر، الموسيقي ولاعب الشطرنج بفخر عن طفولة معذبة وشباب قضاه بالعمل والمثابرة وعن غربة قاسية باردة عاد بعدها والشوق يسير به إلى أرض الوطن في خريف عمر لا يعترف به إلا ربيع دائم..
بعد ثلاث سنوات عاشها في كنف جده بعيدا عن حضن أمه في مدينة الحسكة.. وفي عمر مبكر وبحكم ظروف أسرته القاهرة عمل في رعي الأغنام وقام بجمع القش والمعادن القديمة وروث الحيوانات ليبعها في قرية بعيدة،حافي القدمين، بقروش قليلة لكي يعيل أخوته..و لهذا لم يتسن له إكمال دراسته.. لكن ذلك لم يمنعه من مطالعة الكتب القيمة منذ عمر الثالثة عشرة فقرأ الروايات العالمية والكتب الفلسفية..
«أكثر ما أتألم منه هو أنني لم أعثر على أحد يستطيع أن يفهم ويقيس ألمي».
«أصلب وأنقى صديق تصحبه معك للغد هو ذلك التاريخ المرير من الفقر والقهر والتشرد الموجع».
بدأ الشاعر الدوشي الكتابة مبكراً مع حسرة وحلم رافقه لسنوات طويلة بديوان شعر مطبوع ينادي القراء من على رفوف المكتبات.و في عام ستة وسبعين كانت القصيدة الأولى «صراخ بلا صوت» مليئة بالوجع وبالحرارة.. لكنه ولقيمة الشعر الكبيرة «خشيت أن يسرقني الشعر من مهامي كمعيل لأسرة، ارتكبت فيها خطيئة والدي، وأنجبت أطفالا لن أرضى لهم ذات الطفولة « رفض نشر قصائده وتفرغ للعمل «كنت آلة رفع وجر ثقيلة» وسعى أثناءها جاهداً ليبني لأبنائه مستقبلاً جيداً، فسافر بهم بعيداً إلى لوس أنجلس ليتابعوا دراستهم الجامعية، وأسس لهم شركة الكترونيات هناك، وكان قرار العودة إلى أحضان بلاده القرار الأهم.
طرطوس حيث يقطن الدوشي الآن.. لا يغويه أفق بحرها، فشعره يحتاج إلى جدران تحاصره بصمت.. والقصيدة التي تحط على أوراقه تكتبه بنظرة متجددة وبصور مختلفة للوجوه والأمكنة.. وتسيطر عليه بعد أن يسير بدربها ليختار الكلمة الصادقة الصادمة، فهو لا يتوانى عن استخدام أية كلمة طالما أنها موجودة في القاموس العربي حتى لو « كانت فاحشة « فلكل كلمة في قصائده مكانها الذي وجدت لأجله..
في قديم الزمان، تشاطأتُ والبحر. مرة يزورني، ومرة ازوره. إلا مرة.. غفوتُ عنه،
فرأيتني مقذوفا في غابة، منتصباً على قدميّ. مذ ذاك : انقطع حبل المشيمة
بيني وبين البحر. حتى جاءني يوماً.. إسم» مخصيّ».. وركبني - مجهول الإقامة
والسلالة، ورغم رفسي له : ما نطق البحر بالحقيقة.. إلا بالأمس.
أدبيا.. الزمن بالنسبة للشاعر الدوشي اليوم هو زمن الرواية.. فالقراء من خلالها يصلون لفهم مباشر لوقائع الأحداث نتيجة اتباعها طريقة السرد السهل في التحليل. وهذا عكس الشعر، الذي يعتمد على استعارات الصور واللغة المكثفة وتعددية الرموز الكثيرة. وهذا يتطلب من القارئ تحريضا عقليا عاليا، ومع هذا قد لا يصل إلى المعنى الحقيقي لمضمون القصيدة.
و في أمريكا تضعف حركة الشعر العربي فقلما نرى شاعراً قام بطباعة ديوان له.. إما لأن الطباعة مكلفة إلى حد ما، أو لضعف في البيع. ولا تقيم نقابة الصحفيين العرب الأمريكيين مهرجاناً شعرياً إلا مرة واحدة سنويا تكون المشاركة فيه قليلة جدا. والشاعر الدوشي شارك فيه خمس مرات، ويؤكد أنه رغم توفر بعض الصحف التي تنشر لبعض الشعراء أشعارهم لكن ذلك يتبع للعلاقة الشخصية ما بين الشاعر والصحيفة.
رغم الشوق الدائم للوطن ومرارة الغربة إلا أن شعر الحنين عند الشاعر محدود بقصائد قليلة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة. وذلك لأن معظم شعر الدوشي : وجودي تحريضي. معبأ بالأسئلة والاستفهام يبحث كثيرا في التكوين وفي العلاقات الإنسانية وفي الأساطير الكونية العتيقة..و كل شعره منشور باللغة العربية. ولم ينشر باللغات الاجنبية أبداً، لكن هناك فكرة للنشر باللغة الانكليزية. أصدر الشاعر حتى الآن ستة دواوين شعر، وسبعة دواوين رؤى فلسفية من سلسلة / وهج /والآن قيد التصحيح ثلاثة دواوين بين شعر ورؤى. وكلها باللغة العربية.
وفي أمريكا كانت قصائده تنشر باللغة العربية في الصحف العربية وفي أكثر من صحيفة بشكل متواصل.
أما التجمع الأدبي للأدباء والشعراء العرب فيغيب عن أمريكا،كان كل الأدباء ينضوون تحت سقف نقابة الصحفيين العرب الأمريكيين والدوشي عضو في الهيئة الإدارية مسؤول عن العلاقات العامة فيها. وفي كل ولاية في أمريكا هناك نقابة صحفيين حسب توفر عدد الجاليات العربية.
يكتب الدوشي عن قضايا إنسانية بحتة.. ويستخدم بشعره أسلوب التساؤل والاستفهام، ولم يترك مجالاً يلامس قضايا الإنسان والمجتمع إلا وتطرق له. فالكتابة لدى أنطون الدوشي رغبة يحولها إلى فكرة «فإن كانت جديدة ومميزة ستصبح أيقونة للأجيال القادمة وبهذا أشعر أنني استطعت تقديم شيئا ما». وفي الكتابة تخلق سعادته الحقيقية التي يراها طيفاً زائراً لا يحتاج إلى مقاييس وشروط وقد تجدها في وجه طفل مبتسم «رأيت شقاء أكثر مما يكفي، وعاهات أكثر مما يكفي، ومالاً أكثر مما يكفي لكن لم أر سعادة إلا أقل أقل مما يكفي».
أما الحلم فهو أن «أحيا وأموت عاشقاً» فالعشق وحده عند الدوشي الذي يطرد عنه الكهولة ويعلن بغيابه قدوم النهاية.. «ما أزال أعزف على البزق وأداعب أوتار الشباب ولن أقبل أبدا بالهرم».
وفي المرأة لم يكتب الدوشي إلا قصيدة غزلية واحدة هي «الموت الراقي قبل الغروب»، « لا أنحني أبدا إلا لتلك المرأة.. الأم، الأخت، الصديقة والحبيبة، «يقرأ الرجل المرأة من خلال الجسد والمرأة تقرأ من خلال عيونها فهناك تسكن هويتها الحقيقية».
ولو كانت حرية المرأة أمراً خاصاً بأنطون دوشي: «لأعطيتها حرية كاملة، لكن تحرر المرأة في المجتمعات ليس أمراً منوطاً بالرجل فحسب وإنما يعود إلى إرادة المرأة نفسها التي كثيراً ما تقبل بواقعها وترضى بخنوعها فلا تحاول الخروج من فلك الرجل ووصايته على حياتها.لكن من الواجب علينا عبر الفكر والأدب تبني أفكار جديدة تماشي التطور البشري نحو الأفضل، نتخلص من خلالها من بعض العادات والتقاليد الموروثة البالية التي تقتل الإنسان داخلنا «فلا يمكن أن نستحضر مجتمعا جديداً من خلال فرضه بالقوة فرضا وإنما من خلال ثقافة تدخل تكويننا رويداً رويداً بعيداً عن ثقافة التبعية التي ما تزال المرأة تحتاج لزمن لا بد من وجوده لكي تتجاوزها».
« ينعتون المرأة أنها شر لا بد منه.. وأنا أقترح : أيها الرجل أعطها حقوقا كما لديك وأنا أتكفل بكل جرائمها وأشرارها وستسمع أصواتاً أخرى تقول: الرجل شر لا بد منه».
عمقي... قطار لاهث
خلف محطات لها بريق الفتوحات
لها نكهة الاستسلام وغرور السيف
عمقي جرح: ينام فيه قمح وامرأة
قمح: يسافر مع الريح حيث المجاعات
وامرأة: في وجهها كتب الصلاة وصمت الإله
وفي صدرها: نشوء الزمن وبرق النبوءات
يجثو عند أقدامها: راهب
يزرع قنديله وأنشودة الاعتراف.
لم يستطع دوشي أن ينسى حبه العذري الأول فالحبيبة لديه هي روح لا يهمه أن تكون بجسد ممشوق أو بجمال أخاذ.. إنها الجمال في عيون الشاعر.. «ما زالت حبيبتي في عيني أشد بريقا من الشمس وفي أذني أكثر عذوبة من القيثارة.».. «حيثما تهت وفقدت الجهات أنادي حبيبتي.. من بعيد ارفعي يديك.. من يديك تبدأ الجهات.»
وفي النهاية كمواطن سوري مغترب يرى خيوط المؤامرة على بلاده تحاك أمام ناظريه وتحاول النيل من الدولة المقاومة يؤكد: «أنا سوري وسيفي سوري ودمي سوري.. لبيك».. يقدس الدوشي كل معارض وطني مخلص يطالب بالإصلاحات.. «كل بلدان العالم تحتاج إلى إصلاحات في ظل هذا التطور الدائم، والإصلاح مطلب حضاري ووطني..لكن التحول إلى اغتيال الوطن بتخريب الأفكار الوطنية الأصيلة، واللجوء إلى قوى خارجية للمساعدة، ورفع الأعلام الأجنبية على أرض البلاد.. أمر غير مقبول.. وإن كان هناك مطالب ما لا بد من القيام بها داخل الوطن وتحت سقفه. وأكدت في نقابة الصحافة في لوس أنجلس على عدم رجم الوطن من خارج حدود الوطن.. وليس من الديمقراطية، أن نتجاوز حدود الأدب في أسلوب النقد فمن المعيب ذلك حتى في أكثر الدول الغربية ديمقراطية. وهنا يسوؤني بشدة القتل والتنكيل الذي تتبعه بعض المجموعات المسلحة ضد المدنيين وقوات الأمن، وهي عصابات لا تريد إصلاحاً وتأتمر بأجندة غربية تحاول السير بسوريا إلى عراق آخر وصومال ثان وجر الوطن إلى كارثة إنسانية مخيفة.
«أبقى ابن سوريا البار.. صخرة في وطني.. ريشة في الغربة، وفي حصار غربتي القاسية لا يضمني سوى رحم أمي.. سورية».