أرمندا

عثمان مشاورة

* الدستـور الأردنيـة







قبل عدة أشهر تقريبا أتى الغجر إلى القرية، "الغجر، الغجر.. أرمندا أرمندا" صرخ الأطفال وهبطوا التل طافقين نحوهم، وبينما خبطَ الرَّجل الغجري الخيمة البرتقالية بضع مرات بعصا رفيعة، سدَّ فمه وأنفه بيده ليتجنَّب الغبار المتطاير، وأخذوا جميعا ينصبونها في سفح الجبل المُحاذي، بينما أطفال القرية يبحثون بعيونهم عن أرمندا ويتساءلون؛ أين أرمندا يا رب، أين عساها أن تكون؟

في الصيف قبل الفائت، قبل سنتين تقريبا، أتى الغجر إلى نفس المكان كذلك الأمر، وتعرَّف الأطفال وقتئذٍ إلى أرمندا، كانوا يحتارون ما لونُ عينيها، أخضر، رمادي، أصفر.. لكنهما كانتا كل هذه الألوان مجتمعة، وتصبحان عينين ذهبيتين في ضوء الشمس، والآن ها هي هناك على ما يبدو، ترفع خصلات شعرها برفقٍ خلف أُذنها، لكنها ما عادت طفلة صغيرة ستلعب الغماية معهم كما مضى، لقد كبُرت حقا، أصبحت شهية بما فيه الكفاية، لا سيما صدرها الذي امتلأ بسرعة، وشفتاها الورديتان اكتنزتا أكثر، أصبحت تماما مثل الغجريات اللواتي استهلكهن الشعراء وما زالوا يوردونهن بتفعيلتين أو ثلاث في قصائدهم، ضفيرتها الذهبية تتخطى أسفل ظهرها بقليل، لذلك فإن هذه الخيمة البرتقالية، أصبحت مزارا جيدا لرجال القرية، أولئك الراغبين في طلي أحد أسنانهم بالذهب، بينما البقية صفراء ومتعفنة، أو أولئك الذين يمدون خناجرهم التقليدية للرجل الغجري، ذي الشاربين الشقراوين، ليقوم باصلاحها وهو ينفخ الكير الجلدي فوق النار أو جلخها بالدولاب الذي يديره بقدمه وجعلها أكثر حدة، وأيضا يتفحصون الأفخاخ الفولاذية المُسننة التي يصنعها الغجر، والتي يمكن أن يضعوا فوقها دجاجة تتخبط بجناحيها لتكون طُعما جيدا للضباع والحيوانات المفترسة الأخرى التي تحوم بعينيها المضيئتين حول زرائب أغنامهم في جنح الليل من وقت لآخر، ويبتاعون أيضا من الغجر حلوى حمراء يصنعونها من العنب واللوز والزعفران، وكل ذلك مبررٍ كاف لكي تمتلئ الخيمة بالكثير من الزوار رجال القرية، وهو حدثٌ رائعٌ جدا لديهم إذا ما شاهدوا الخيمة تنتصب أمامهم.

لكنهم تلك اللحظة، عندما رأوا أرمندا، بدأوا ينسون ما كانوا قد أتوا لأجله، لم تعد تلك الاشياء تعنيهم، لقد ضاع الوقت إذن بتلك التفاهات بشأن الأسنان الذهبية لصق المتعفنة والافخاخ الفولاذية المسننة وما شابه، إن قلوبهم أخذت تنبض من جديد، وكأنهم لأول مرة يتذوقون شيئا ما لذيذا بأطراف ألسنتهم، أي حلوى زعفران كريهة تلك، إنهم يشعرون الآن ببهجة الحياةِ ورونقها، لأن عيونهم أخذت تتلألأ أيضا، وعندما شرعتْ أدرمندا مساءً على ضوء الفانوس، تُغنِّي بصوتٍ رقيقٍ مرتجف وهي تعزف على أوتار البُزق الحادة، زاد ذلك من لوعتهم، وتنهدوا أيضا؛ لأن دموعها تنحدرُ فوق وجنتيها المُحمرتين وتسيلُ من حرقتها فوق رقبتها الطويلة، تغني لهم، (بالغجرية)، بحزنٍ شديدٍ وأصابعها الرقيقة المتوردة تعفقُ بسلاسةٍ فوق أوتار البزق:

في السهول الممتدة يا حبيبي، مثل قطةٍ تائهة، أهيم

ألحاني شجية

لأنني أفتقدك

ولأنني في خيمتنا

يأمرني أبي، وهو ينفخ النار

فأُغني الآن للأوغاد

تلتهمني عيونهم المُجعدة

بينما يسرقون النظر إلى صدري الممتلئ

أنا مثل ابنتهم، لكن لعابهم يسيل

ويتلصصون..

في السهول الممتدة يا حبيبي أهيم

أغني الآن للأوغاد..

وبعد أن غنت أرمندا بلغةٍ لم يفهموها، راحوا يصفقون لها ويحيوها بينما يَهزون رؤوسهم الغبية، ويبتسمون في وجهها، وتبان أسنانهم المفقودة، أحدهم ظهر نابه الذهبي الذي وضعه قبل قليل بجوار سنٍ آخر منخور، وأخذت تمسح دموعها المنسابة بيدها، وبعد ذلك اندسَّت في فراشها والتحفتْ بالغطاء لتنام، وهناك أجهشت، وشرعت تحته تُكمل بكاءها بصمت، وانسل الرجال واحدا تلو الآخر من باب الخيمة عائدين إلى بيوتهم.

والآن، جاء الشتاء إلى قريتنا، وكذلك إلى الغجر وخيمتهم، وسبقته طلائعه الباردة، وراحت تتساقط أوراق الأشجار وتتكوم بُنية رطبة تحت سيقانها، وتتثلج الرياح أكثر فأكثر، وتعَّرت حقول العنب والدراق، واللوز أيضا، وكل شيءٍ مسَّه الخريف منذ ذلك اليوم، ووصلت مجموعة من الغيوم الرمادية الثقيلة على نحوٍ مبكرٍ، لذلك شرع الغجر بلملمة خيمتهم البرتقالية وأشيائهم الغريبة، وتطلع رجال القرية إلى الغجر وهم يوشكون على الرحيل، حزنوا كثيرا بداخلهم، مسَّ الخريف قلوبهم كذلك الأمر، وقرفصت أرمندا فوق الأشياء المكومة في صندوق السيارة، تحضن البُزق جيدا بين يديها وتتطلع بعينيها الحزينتين باتجاه ما، بينما راح الرجال ينظرون إليها، ويضرعون بقلوبهم من جديد: ابقي يا أرمندا، ليومٍ واحد فقط يا ارمندا، نحبك يا أرمندا... لكن السيارة أخذت تغادر وتمضي ببطء، سيذهبون إلى الجبال، لكي تدار رياح الكوانين القاسية عنهم، وقد يعودون في الصيف القادم، أو لا يفعلون، لا شيء مُحقَّق، مسح الرجال دموعهم باطراف مناديلهم، وركضت قلبوهم خلف أرمندا الرقيقة، تُلوِّح لها وهي صامتة، تضع يدها على خدها وتتطلع بعينيها الذهبيتين.