بوتين وجبل الجليد
خيري منصـور
* دار الخليج
لو كُلفِّ فنان روسي رسم بورتريه لبوتين، لأضاف إلى ملامحه الصارمة والسلافية شيئاً من ستالين، ليس لأن الجيورجي الذي تحول اسمه إلى مصطلح في معجم الاستبداد يقيم إلى الأبد في الذاكرة الروسية، بل لأنه يرمز في هذه الذاكرة إلى التسلط وشهوة البقاء في الكرملين، ولأن بوتين له ما له وعليه ما عليه، فثمة من الروس من يتصورون أنه تحمل إرثاً ثقيلاً بعد أن كانت روسيا تترنح، بالضبط كما حدث للرئيس الأسبق يلتسين في أحد المطارات، ثم استكملت البريسترويكا على يد من يسميه الروس سائق الشاحنة أو الجرار (غور باتشوف) ما تبقى .
واتضح للناس هناك أن لغتهم بحاجة إلى مراجعة لأن معنى بريسترويكا بالروسية إعادة البناء، لكنهم رأوا فيها إعادة هدم .
ومن التعليقات الأكثر طرافة على بوتين وتبادله الأدوار مع صديقه الرئيس، أنهما سوف يحكمان روسيا لربع قرن مقبل إذا استمرا في هذا العزف على الأكورديون .
الروس خرجوا رغم الصقيع إلى الشوارع، وثمة من سارعوا كالعادة ليقولوا إنها عدوى الربيع العربي، فالرياح وغبار اللقاح الثوري وصلا إلى هناك . والمسألة بالطبع أبعد من ذلك، فالروس عرفوا أشكالاً متفاوتة من الحراك منذ ذلك الاشتباك الذي تحول إلى أمثولة على أبواب الدوما . لأن أكثر من رئيس أو جنرال ممن تم خلعهم بلا تخدير استشهدوا في طور احتضارهم السياسي بما حدث في الدوما، وحاولوا أن يستمدوا شرعية التسلط والقمع والحل الأمني من ذلك الموقف .
وبدوره حمّل بوتين الولايات المتحدة مسؤولية هذا العصيان في شوارع موسكو، وقال إنها لا تكف عن التدخل في شؤون بلاده . هكذا يستعاد المشجب الخارجي ذاته حتى في موسكو، وكأن الشعوب لا تتحرك من تلقاء نفسها، وهي بحاجة دائمة إلى رافعة أو محفز خارجي .
بالطبع لدى الروس أسباب كثيرة لكي يعبروا عن عدم السعادة بما آل إليه الكرملين الذي أصبح كرة بين لاعبين صديقين قررا على ما يبدو احتكار القباب الذهبية حتى نهاية العمر .
في البداية كان قدوم بوتين من حاضنة ال “كي جي بي” كما لو أنه محاولة إنقاذ، وبالفعل تمتع الرجل بكاريزما افتقر إليها سابقوه خصوصاً في خريف الإمبراطورية، وهناك تعبير شائع في روسيا مستمد من رواية شهيرة لإيليا اهرنبورغ، هو “ذوبان الجليد” فقد كانت رواية اهرنبورغ بشارة للروس فإن الجدار الستاليني الفولاذي قد بدأ يتصدع، وإن هناك صريراً يمكن سماعه من بوابات صدئت أقفالها .
فهل تعيد هذه المقولة مناخات قديمة منها ما تحول إلى فوبيا ستالينية في الذاكرة الروسية، ولأن روسيا وصفت بالهرمة، وقال رامسفيلد إن أسلحتها علاها الصدأ وأنهى الزمن صلاحيتها، فقد استعان بوتين لدى دخوله إلى المسرح واعتلاء المنصة بحيويته وبكونه لاعب كاراتيه وسائق دراجات نارية على الطريقة الأمريكية .
لكن كل هذه المظاهر قد ترمم نرجسية وطنية جريحة لبعض الوقت، وقد تسترضي الروس الذين شعروا للحظة بأنهم تحولوا من دور البطولة قطباً دولياً إلى كومبارس، لهذا ما إن بدأ تجريب أساليب ومناهج اقتصادية وتعليمية وسياسية، حتى بدت المشاهد على حقيقتها . ولم يعد من الممكن استمرار الأسطوانة ذاتها في الدوران لفترات انتخابية عدة، فما حدث في روسبا كما يراه بعض المعارضين لبوتين، هو صيغة مبتكرة من التوريث حتى إذا لم يكن الوريث من صلب أبيه .
يبدو أنه ما من مكان في هذا العالم بمنجى من سؤال الحرية وما يقترن به من أسئلة الرغيف والمأوى والعمل .
إنها عولمة بامتياز، لكنها من نمط مضاد لتلك التي بشر بها فوكومايا وسائر العائلة الرأسمالية .