بين لويس بونويل ومحمد شكري

* الثورة السورية






قبل ما يقرب من عشرين عاماً شكّلت مذكرات السينمائي الإسباني لويس بونويل التي صدرت تحت عنوان «أنفاسي الأخيرة»، تجربة متفردة في البوح الشفاف،

البعيد عن محاولة تجميل التجربة وإظهار صاحبها في مظهر السوبرمان الذي لا تطاله الهزائم، ولا يعترف بلحظات ندم في حياته.‏

وككثيرين غيري أصبحت قراءة تلك المذكرات تضاهي في متعتها قراءة أي منجز أدبي مهم لكبار الكتاب. ومع تكرار القراءة حفظت الكثير من أقوال السينمائي وحكاياته، لعل أهمها ما قاله عن أن الحب يتجه نحو التلاشي والاندثار، وأنه قد أصبح مجرد ظاهرة تاريخية تدرس وتحلل ويمكن معالجتها أيضاً، إلى أن يعبر عن جيل انتمى إليه: نحن لم نكن ضحايا وهم، ومع أنه سيكون من الصعب على البعض التصديق ، فلقد أحببنا بصورة حقيقية.‏

ومع إعجابي الكبير بالشاعر بورخيس توقفت طويلاً أمام حديث بونويل عنه، والذي بدأه بالحديث عن عدم محبته للعميان كثيراً، قبل أن يقول إن هناك واحداً من عميان العالم لا يستلطفه هو بورخيس، مع اعترافه بأنه كاتب جيد بلا شك، إلا أن العالم مليء بالكتاب الجيدين وليس باستطاعته احترام أحد لمجرد انه كاتب جيد. أما مآخذ بونويل على بورخيس الذي التقاه مرتين أو ثلاثاً فتكمن في كونه شخصاً متغطرساً، عابداً لذاته، يبرز في كل تصرفاته شيء من الاستعراضية، وتظهر جائزة نوبل باستمرار فكرة متسلطة عليه في كل أجوبته على الصحفيين.‏

- بقيت شفافية بونويل تشكل حالة خاصة بالنسبة لي، ولم تعد روحه لتتجلى أمامي إلا وأنا اقرأ السيرة الروائية للكاتب المغربي الراحل محمد شكري بأعمالها الثلاثة: الخبز الحافي- زمن الأخطاء – وجوه، والتي كتبها بتشجيع من كتاب كبار عرفهم خلال حياته مثل جان جينيه وتينسي وليامز.‏

منذ الصفحات الأولى لرواية الخبز الحافي، بدا واضحاً أنني سأكون مع عمل يشع مصداقية، ويعرض تجربة صاحبه بلا تجميل فارغ وادعاء أجوف، تجربة تبدأ من حكاية الصبي الذي عرف طعم الجوع الحقيقي، وراقب أخاه يموت خنقاً على يدي والده، ذلك الأب الذي رأى فيه الكاتب شخصاً عاجزاً عن حب أحد في هذا العالم، و أصر في كل مرة يجيء ذكره فيها على إفراغ الكثير من مشاعر الكره التي حملها له.‏

نتابع الرحلة مع محمد شكري الذي كان في بداية ستينيات القرن الماضي ما يزال يتعثر في كتابة جملة جميلة، ولم يعرف المدرسة حتى سن العشرين وفي رصيده ثلاثة أحرف علمه إياها أحد الأصدقاء في السجن، يدخل المدرسة ليواجه بضرب الأستاذ له، ويكتشف أنه سيتعلم من زملاء الدراسة أكثر مما سيتعلم من الأساتذة.‏

يقدم شكري سيرة روائية تنفض عنها كل أشكال الخجل الاجتماعي، تسمي الأشياء بمسمياتها من زعرنات الطفولة وخيالات المراهق ومعاناته مع جسده، إلى تفاصيل حياة الصعلكة وتاريخ أول ليلة له في أحضان امرأة، وتدخين الحشيش والكيف، وإدمان ارتياد الحانات الذي يذكر بما قاله بونويل عاشق الحانات: إنها مكان للتأمل والعزلة لا يمكنني تصور الحياة دونه.‏

و من الطبيعي مع رفض شكري للتابوهات في سرد سيرته أن يمنع الكتاب في عدة دول بحجة تناوله لمحظورات اجتماعية، وهو الأمر الذي علق عليه شكري في أحد لقاءاته الأخيرة قبل رحيله في عام 2003،» الخبز الحافي ليس دعوة للدعارة والفضائح بقدر ما هو كتاب ينسف المسببات التي سببت الدعارة في مجتمعاتنا العربية والمغربية.»‏

- في سيرتي بونويل وشكري تشعر أنك تلتقط أنفاس الكاتبين، تسمع صوت العجوز بونويل وهو يسرد ببراعة وعمق روتين حياته اليومي بعدما ألزمته الشيخوخة على البقاء في البيت والتخفيف من أسفار عشقها، وتلمح شكري وهو في أحد شوارع طنجة، مدينته الأثيرة والآسرة، يردد أن الكتابة مغامرة بشرية من أجل تسكين القلق اليومي والوجودي والميتافيزيقي أيضاً.‏