بروميثيوس يَعتذر!
خيري منصور
* القدس العربي
الاسطورة أولى من التاريخ واجدر بمقاربة كهذه حين يلفح الوجه وهج بنفسجي، هو زفير مئات الموتى الذين اودعوا المخطوطات اسرارهم، بمن فيهم ذلك المستشرق الذي فتن بمصر فوصفها في كتاب يعجز رجلان معا عن حمله لفرط ضخامته، فالكتاب شأن مئتي الف كتاب آخر كان يهجع تحت سقف المجمع العلمي في قاهرة المعز والمُذلّ ما دام لهذا التاريخ وجهان، ولرائحة الحريق الذي بلغ اصابعنا رائحة اخرى هي مزيج من رماد الابنوس وغبار الخيول التي أدبرت منذ أبي عبد الله الصغير الذي اضاع ملكا لم يحافظ عليه كالرجال، كما عيّرته عائشة الحوراء أمه. ..
واذا كان الشجى يبعث الشجى لأن الأرض كلها اصبحت قبر مالك لمن افتقده ورثاه بدمه لا بحبره، فإن رائحة الرماد تبعث مثيلاتها في الذاكرة الاثمة، منذ حولت الكتب الى اكعاب بساطير في حقبة مملوكية حتى غرق دجلة في حبرها في حقبة هولاكية، وثمة زمن آخــر صار مجرد جملة معترضة في كتاب الرماد، احرقت فيه الكتب لتسخين الماء في حمامات الانكشارية وجندرمة التاريخ الاخر المضاد لكل التقاويم.
ولو بعث الى الحياة في قيامة فينينقية هؤلاء الذين احرقت كتبهم ومخطوطاتهم ومنهم برستد الذي وصف مصر بحيث دلنا على شعابها وهو الغريب عنها لرددوا بصوت واحد ما قاله ذات حريق سفيان الثّوري وهو:
ليت يدي قُطعت من ها هنا
بل من ها هنا ولم اكتب حرفا
وله الحق في هذا الندم ما دام الجهل المسلح هو الأقوى والأبقى. ربما لهذا السبب احرق ابو حيان التوحيدي كتبه كي لا تقع بين براثن أمّي لا يفرق بين العصا والأفعى او بين الف الأبجدية ويد المكنسة، فالتوحيدي استشعر الغربة قبل موعدها، وتولى بنفسه ما كان سيتولاه امثال يعقوب المنصور عندما احرق كل ما كتب ابن رشد في الفلسفة، فالرماد قرين النار في كل هذه الأزمنة، لكنه احيانا يكون قيامة المحترق ولأن التاريخ في فصله الشرقي الاستبدادي دُجّن ولوي عنقه والحق بالاسطبلات المملوكية، فقد أفرز هولاكو آخر من صُلبه، مما اضطر ذوي النهضوي المنسي بسبق الاصرار عمر فاخوري الى القاء مخطوطاته في البئر لأن عسس التتريك والتعجيم كانوا يتعقبونه، مثلما تعقبوا الكواكبي الذي لاذ بمصر من والي حلب وسمموه في مقهى بشارع عماد الدين في القاهرة، وقد احس الرجل بما دُبّر له وكان آخر ما قاله لعبد القادر ابن اخيه: لقد سمّوني يا عبد القادر، وبعد عقود من ذلك الاغتيال لم يعثر احفاد الكواكبي على قبره، تماما مثلما دفن خليل مطران زمنا في مقابر الصّدقة.
' ' '
ولأن الاسطورة اولى من التاريخ بهذه المقاربة الشجيّة، فإن بروميثيوس الان يعتذر لأنه سرق من الالهة سرّ النار، وظن الرجل الذي ابتكره خيال اغريقي حُرّ بان النار للتطهير والاضاءة وليست لطبخ البامياء والفاصولياء وحرق الكتب واغماد السّفود في احشاء ابن المقفع ليشوى على النار كالخروف. وقد دفع بروميثيوس ثمن هذا العصيان لأن صدره العاري حيث يقف على قمة جبل مايزال وسيبقى حسب الاسطورة وجبات شهية متعاقبة للنسور الجائعة...
النار التي اسيء فهمها في ثقافة الاستبداد والعنف الاّبوي والرعوي معا، لم تشبع من الكتب، فسال لعاب ألسنتها على الجسد ايضا، وهكذا انتهى الحلاج الى رماد مبثوث في سماء بغداد ولعله السبب الدائم في احتقان ظهيرتها وشجن نوارسها لحظة الغسق، لكن رماد الصوفي المنشقّ نطق لحظة الغياب وفي ضريحه الذي يخلو منها عندما قال :
اقتلوني يا ثقاتي
ان في موتي حياتي. ..
' ' '
يكتب سيمون فارهي وهو يهودي عاش في مصر انه تعلم منذ طفولته ان يقبل كسرة الخبز اذا رآها ملقاة على رصيف وقصاصة الكتاب بالفم ذاته، وبالاعتذار ذاته. .. لأن القمح والكتابة توأمان خالدان ونحن العرب كنا في طفولتنا نعتذر لكسر الخبز ونقبلها ثم نحشوها في شق جدار، ومنا ايضا من كانوا يقبلون قصاصة الورق ويعتذرون للكتاب الذي حذفت منه ربما لأن التّدوين كان ما يزال ذا قداسة، واستمرت ظلاله الى ايامنا، حيث ما يزال بيننا اناس يستشهدون بصدقية خبر ما قائلين انه منشور في جريدة او كتاب لكأن التدوين تعقيم وتكريس وتبرئة، يقول فارهي ايضا عن حرية الكتب بانه التعبير الادق عن الشرّ الراديكالي كما عرّفه الفيلسوف 'كانت ' وينتهي الى رجاء مفعم بالدموع الى البشر كي يحموا الابدية التي تحملها الكتب في كل مكان من هذه الارض، وهذه مناسبة قد لا تتكرر لاستذكار ما جرى للمثقفين العرب او بعضهم على الاقل في زمن الجندرمة.
كنت اتقصى ما امكن من حياة عمر فاخوري ومصائر كتبه والتي انجز اولها وهو في الثالثة عشرة من عمره، فوجدت ان هناك مدرسا للفيزياء في لبنان نكل به، لأن احد العسس وهو من تلاميذه او زملائه وشى به الى الوالي، وقال انه كتب على اللوح ان رمز الماء h2o وهو يقصد بأن حميد الثاني يساوي صفرا...
لكن ما ان زكمت انفي رائحة الرماد المنبعث من متاحف ومجامع علمية في أعرق عواصمنا من بغداد الى القاهرة حتى توقفت عن هذا التقصّي فما يحدث في ايامنا انكى مما حدث عام 1258 ميلادية في العراق او ما حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الشام ومصر.
في الماضي كنّا نبحث عن نائب فاعل لمن يحرق مكتباتنا ويلقي مخطوطاتنا في الانهار او النيران رغم ان الفاعل موجود باسمائه الحقيقية او المستعارة في بطون كتب التاريخ التي لا نقرأها.
' ' '
إقرأ. .. تلك فاتحة الكتاب التي شحنت الكلمة بسر الكينونة، لأنها تصدع بالوجود،وهذا ما يتلخص في كلمتين فقط هما كُن. . فيكون، ولم يبدأ الكتاب بفعل الأمر إحرق، وعلى الرغم من ذلك عوقبت الكتب على ما اقترفت لأن الجهل المدجج تحالف مع النار العمياء ضدها! وبعد هذا الهولوكوست للمجامع العلمية ودور الوثائق والمتاحف، من منّا لا يتردد في طبع كتاب فرغ منه للتو؟ ومن منا لا يتذكر التوحيدي وما استبق به من أعدوا النار لالتهام كتبه؟
فاذا كانت مكتباتنا الوطنية مدرجة في قائمة المرشحين للحرق، وما من ضمانة لكل ما ننشر لكي يبقى، فأية جدوى من الكتابة؟
ان ما قاله 'براد بري' في رواية 451 درجة فهرنهايت يستحق الان ان نعيد قراءته حرفا حرفا، فلا كتب تحترق في هذه الدرجة الفهرنهايتية حسب الرواية، لكن مئتي الف كتاب ومخطوط في المجامع العلمية العربية والمتاحف تحترق في اقل من هذه الدرجة، فالكراهية لها شراراتها ايضا، والجهل له اسلحته منذ القوس والمنجنيق حتى البنادق المحشوة بالحقد لأن المعرفة افتضاح لعورة الجهل، واضاءة ساطعة لطرق تزدحم باشباح الخرافات وقطاع الطرق. في رواية الخيال العلمي كان على الناس ان يحفظ كل منهم كتابا عن ظهر قلب كي لا يذهب ما في الكتب كلها وليمة للنيران.
هكذا ايضا يصبح الخيال العلمي اولى من الواقع الخيالي الذي نعيشه في مقاربة كهذه تماما كما ان الاسطورة اولى من التاريخ، فتعالوا نحفظ كتبا حرفا حرفا او تخفيها في زجاجات ونأتمن البحر عليها كما كان يانيس ريتسوس يفعل في زمن غاشم ما دام كل ما كتب او رسم او نُحت او غنيّ هو الان قاب بلطجييْن او شبيحين من النار!
وطوبى للغة جعلت الفارق الوحيد بين الحرق والحرف نقطة دم واحدة!