|
|
الهنوف محمد في "مرثية النيازك":
الأشجار تفتك براءة الأحلام
تتميز الشاعرة الهنوف بلغة شعرية موحية ذات دلالات متشعبة، مثلما تتميز المفردة المناسبة والصورة الشعرية المعبرة عن انكسارات الذات وأحلامها الجامحة وصدماتها مع الأسوار العالية والليالي المعتمة التي تسرق أشعة الشمس من عالم كل حالم يبحث عن نقطة ضوء أو لحظة من نهار في ليل مبهم .
قصيدة (مرثية النيازك) حالة شعرية رثائية لمثل تلك الذات الحالمة المصطدمة بالأسوار والليل وزعيق القطارات والبارود والأغطية التي تحجب كل شعاع أو ضوء في طريق الإنسان الحالم الباحث عن ملاذ آمن أو لحظة هادئة أو صباح مشرق، لكن الضجيج في الصباح وأوجاع النيازك في الليل تحيل أحلام الشاعرة وصباحاتها إلى وجع دائم جديد نهاراً فتعدد عذابات الشاعرة مستمرة بلا فواصل أو نقاط راحة، تقول:
الشظايا تبارك ليلتي
والقطارات النايمة
عند حواف العوالم
تستعد كل صباح
لنزع الأغطية من أجنحة الورود الحالمة . . .
في شارع ما
ثمة أنبياء يقطعون الأزمنة
حتى حدود الفواصل
اللحظات مليئة بالأوجاع
وتمرّدي ملأ البحر باروداً واسمنتا
المداد المرّ يسحقني لرغيف مهشّم
وكل المشاهدة تلك
تعيرني انحناءة الغابات الذابلة
الشاعرة التي تلوذ من نهاراتها الصاخبة بالليل وهدوئه وسكونه وأحلامه تفاجأ بصخب آخر ورعب أشد يطاردها في ليلها ويقض مضجعها ويملأ أحلامها بالكوابيس والأوجاع والهلع الذي جسدته الشاعرة ساخرة بشظايا النيازك المتناثرة (التي تبارك ليلتها)، وتحيلها من هدوء منتظر إلى كابوس مرعب تطير منه الأحلام ويغيب عنه السكون وهداة النفس .
وليس صباح الشاعرة بأحسن حالاً من ليلها الكابوسي المتعب، إذ يبدأ الصباح بضجيج القطارات، وليس بتفتح الورود وصوت العصافير، (فالقطارات النائمة) تستعد لإطلاق نيازك وكوابيس جديدة تنقل ضجتها إلى أعماق الشاعرة وإلى رأسها الذي ما زال يقاتل كوابيس الليل وشهبه ونيازكه، فتحاصرها الضجة من كل ناحية، وتحكم الكوابيس قبضتها على روح الشاعرة وجسدها ليلاً ونهاراً لتصبح (كرغيف مسحوق مهشم) تحاول إنقاذه بقصيدة شعر أو خاطرة، لعلها تعمد بوجه العواصف والكوابيس المتواصلة المرهقة أو تتفادى الضجيج والدوار الذي يمور في أعماقها .
إن الشاعرة تملأ البحر والبر (تمرداً) واحتجاجاً وشعراً حتى وإن كانت العواصف والنيازك شديدة قاتلة، فقد علمتها الغابات والأشجار أن تنحني قليلاً لتمر تلك العواصف ثم تقف ثانية، لكن عواصفها لا تهدأ وكوابيسها لا تتوقف، فأين الملاذ، وأين المفر، أتقتدي بالأنبياء الذين قطعوا (حدود الأزمنة والنواصل)، لكن الشاعر بشر و (لحظاته) مليئة (بالأوجاع والذبول) ولا تريد الشاعرة الاستسلام لتلك العواصف حتى ولو كانت بشراً أو صورة لإنسان هذا العصر والمترنح المهشم الذي يحاصره الطوفان من كل جهة وتُغلق بوجهه الأبواب في كل اتجاه ولا بد من وقفة أخرى أمام العواصف والأزمنة الرديئة والجنون الذي يجتاح العالم، فلتحاول الشاعرة جولة قتالية جديدة مع الذات والعالم والطوفان، تقول:
إن لي نفساً تشبه الفضاء
البستاني يشعل أنفاسه
عند بوابات السماء القديمة
والمحطات ضيقة
مثل طوري الذي خرجت منه
وحدة الأبنوس
يحمى الأنفاس من الهجرات المتعبة
لا بد للشاعرة، من استيعاب العالم واحتضانه، بفضاءاته وسماواته وأشجاره الكفيلة بحمايتها ووفق (هجراتها) وارتحالاتها المضنية . وحدها أشجار (الابنوس) المتجذرة في أعماق الأرض تحفظ لها جذورها وتشبثها بالمكان الراسخ دون رحيل أو سفر .
إن الشاعرة التي ترى أنها متناثرة ممزقة موزعة في أرجاء الأرض، ومبعثرة في فضاءات الكون، لا بد أن تلملم أجزاءها المتطايرة في قبضة يدها، وبدل الارتحال إلى بوابات السماء وفضاءات الدنيا، فإنها ستجذب هذه الأمكنة والأزمنة إلى ساحتها لتوقف الرحيل اللانهائي، وترتحل الدنيا إليها وليس بالعكس .
غير أن هذه الأحلام والأمنيات التي تتولد في لحظة غضب وثورة وبحث عن خلاص من عناء الهجرات والمنافي، غير قابلة للتحقيق، فلن يهدأ الإنسان المعاصر ولا الشاعر المسافر وسط عواصف هذا العالم المخبول ما دام العالم يغص بالمآسي والأخطار والنيازك، ويقتل القيم الجميلة والأحلام الصغيرة التي لم يعد لها مكان في صخب هذا العصر وجنونه وضجيجه، تقول:
أحلام صغيرة . . . متوهجة
تقف عند عتبات الجزر الراكدة
والسواد مشرع كانطلاقة النيازك . . .
أردت إيقاف الأنهار . . .
لكن الشعر أوقف كل النبضات . . .
لذا أبدو هادئة كهدأة الليل
عند سقوط المطر
لم أكن أدري بأن الأشجار
سوف تغتالني
لا مجال إذاً في زمن الشاعرة الرديء لأحلام صغيرة أو كبيرة، إنها أحلام في حالة انقراض يتعلق بها الشعراء والحالمون والواهمون والأبرياء، لكنها تُرى خارج دائرة إيقاع هذا العصر، كأنها أغنية خارج السرب . والشاعرة حالمة (متوهجة) باحثة عن زمن جميل، وشجرة خضراء تستظل بها . . . وجزيرة هادئة تمنحها السكينة وراحة البال لكن هذه الأحلام الصغيرة تجف عند (الجزر الراكدة)، عند واقع يحكمه الجمود والركود والمؤن، عند عصر استمرأ الكوابيس (والنيازك) والجرائم، واستبدل نهارات الإنسان بعتمات الليل وحجب الضوء ودفن الأحلام .
تقاوم الشاعرة مرة أخرى من دون كلل، لن تستسلم لنيازك وصواعق وصخب عصر متردد متآكل، لن تنسحب أو ترتحل عن جذورها، لن تتخلى عن أحلامها البسيطة، برغم المدارات والأوجاع والكوابيس التي تطاردها في كل لحظة، ستحاول إيقاف الطوفان، (وإيقاف الأنهار) وكل السيول الجارفة، لا بد من جولة ثالثة في هذه المواجهة بين الحياة والعدم، لا بد من مقولة جديدة بين البقاء والفناء، هل بالشعر تستطيع الشاعرة أن تصمد وتنتصر وتهدأ؟ قد يكون الأمر كذلك، ولا بد له أن يكون ، ترى الشاعرة ، وتنجح في أول الأمر، وتفرغ شحنات أوجاعها في قصائدها، فتحقق أحلامها الصغيرة والكبيرة، وتعيد للكون شكله الطبيعي، وللإنسان قيمه وللحياة بأشجارها وأرضها وأمطار ليلها الخصبة، ليتوقف الرحيل وتهدأ النفس وتقول قصيدتها وتعزف لحن أشعارها وأحلامها، لكن كل ذلك ينهار مرة أخرى، ويأتي الانهيار هذه المرة من مأمنها، من أشجارها التي استظلت بها، وأمطارها التي ظنت أنها تنعشها وليلها الذي ظنت أنه يحتضنها بأحلام جميلة . . جاءها الاغتيال معنوياً ومادياً من الجهة التي تأمنها .
تختتم الهنوف قصيدتها، فمن مأمنه يؤتى الحذر، ومن مأمن الشاعرة، ومن أشجارها وأحبتها ومجتمعها وأمتها وعصرها . . . وكل من وما حولها جاءتها الرصاصة . . . جاءها الكابوس . . .جاءها النيزك . . . لتعود ثانية إلى البداية حتى ترثي نيازك هذا العصر وأخطاره وأوجاعه وانهياراته وأحلامه الضائعة .