|
|
إبراهيم أصلان الطائر الذي ودّع بحيرة المساء
د. محمد الشطي
* الملحق الثقافي / الدستور الأردنيـة
رحل إبراهيم أصلان بعد أن قلب ظهر المجن لزمن التيه، وقد عاش محتجا على كل الأوضاع السائدة عابرا عتبات الهزيمة التاريخية التي مر بها العرب من خلال الرفض لواقع استنبتت في مستنقعه كل المآسي إلى ربيع لم تتفتح أزهاره بعد، رفض أن يعمل على إحلال المخيلة محل الذاكرة التي تسترفد الكشّافات المسلّطة على نسيج الخلايا المتهرئة معتبرا الكتابة خارج دائرة المرئي والملموس خيانة للمعنى؛ استنهض الذاكرة ومعها عدسات الباصرة التي تستجمع في بؤرتها كل مكامن الخلل، ولم يعمل على ترميم الواقع وإعادة تأثيث المشهد؛ بل قام باستئصال قاسٍ لحطامه المدمر وأبحر في نسيجه الحي ليبعث فيه القدرة على التجدد والاستمرار.
(يكتب المرء رغم أنفه) على غرار ماجاء في الحديث الشريف "يؤجر المرء رغم أنفه"، إذ يؤكد إبراهيم أصلان أنه كاتب قصة قصيرة؛ وهي فن الأزمة أو فن الجماعات المقهورة كما يقول أوكونور، فعالمه المأزوم هو الذي دفع به إلى كتابة القصة القصيرة، وهو ساعي البريد الذي كان يعمل في قسم البرقيات وقسم التوزيع وبقية الأقسام التي تختصر طاقاته وملكاته في عمل لايحتاج لكل تلك المواهب التي أهدرت على عتبات العناوين ومحطات التوصيل، ومعروف أن الشريط اللغوي للنص البرقي مضغوط وحمولته مكثفة، وهو غالبا نص يشي بمأزق أو أزمة، هذا (البوسطجي) صاحب "خلوة الغلبان" يجد نفسه، وقد خرج من "بحيرة المساء" مضطرا ليطارح شخصياته الروائية في "مالك الحزين" هموم الاغتراب والغربة.
يقول إبراهيم أصلان في إحد اللقاءات الصحفية التي أجريت معه إنه أصبح روائياً بالصدفة، لأن أصدقاءه الذين استنفذوه من بين مخالب الروتين في عمله العقيم استطاعوا أن يحصلوا له على إجازة تفرغ، وحين عزم على إنفاق هذه الإجازة في كتابة القصة القصيرة اصطدم بقانون التفرغ الذي لايجيز له استثمارها في مثل هذا العمل؛ بل لابد أن يكتب رواية، فعكف على كتابة روايته الشهيرة "مالك الحزين" التي نالت استحسان النقاد وعرف في الأوساط الأدبية بها، فطغت على غيرها من إنتاجه، وأغرت السينمائي داوود السيد باستلهامها في فيلم سينمائي بعنوان (الكيت كات) الذي نجح نجاحا باهرا.
ثمة اغتراب كان يستشعره إبراهيم أصلان وجيله من الأدباء، وهذا الاغتراب احتشد له في (مالك الحزين) الرواية التي اكتظت بالشخصيات حتى بلغت ما يزيد على مئة شخصية تمثل نماذج وأنماطا من مختلف الشرائح والفئات التي تنتمي إلى مجتمع يتقّلب في مقلاة التحول والتغير والاغتراب، وتتخذ من (إمبابة) إحدى أهم القواعد الجماهرية التي تتفاعل فيها خميرة التحولات في أجيال متباينة في فئاتها العمرية، وشرائح تضطرب في مواقعها الاجتماعية وأنماطها البشرية التي تشكّل معالم للخريطة الإنسانية فتبدو عيّنة مجتمعية تصلح للدراسة.
فيوسف النجار بما يوحي به هذا الاسم من دلالات دينية وتاريخية ومهنية يبدو في عزلة اغترابية مفروضة عليه، فهو لا يستطيع التفاعل مع مجتمع المحيط الجامعي فينزوي إلى ركن بعيد في إمبابة ترنو إليه فاطمة تحاول أن تخترق حصونه المغلقة، وكأني بها امرأة العزيز التي تحاول أن تغوي فتاها، ولكن أنى لفاطمة صولجان تلك السيدة المهيبة، فيوسف متشرنق في صدفته وفاطمة الفقيرة أعياها الانتظار على بوابة الأمل، علاقة تستشرف اليأس بدلاً من بوابات الفرج، وتلك هي الأزمة التي تمسك بتلابيب المرحلة التاريخية التي يطرق بابها إبراهيم أصلان كما طرق غسان كنفاني جدار الخزان الذي غرقت في أحشائه جثث الباحثين عن الخلاص.
أما الشيخ حسني فهو رهين محبسين: عمىً يقعد به عن الفرارمن أتون عزلته واغترابه، فيلتمس شتى الطرق ليمزق جدران سجنه بوسائله المضحكة المبكية، وعزلة كئيبة فرضها العجز عن رؤية التحولات التي ألمت بما حوله ومن حوله، والمعلم صبحي المتربص بالحارة كلها يريد أن يقلبها رأسا على عقب، ويميل بها من ماض حشرها في زنزانة المقهى بما ترمز إليه من استرخاء في أحضان الزمن المتمطّي في أراجيل الزبائن الذين يحلّقون في دخانها المتصاعد إلى زمن جديد ينهض من بين أعمدة الغبار، وواضح أن الاسم الذي منحه له الكاتب يرمز إلى الصبح الذي يراه خروجا من عتمة وربما ولوجا إلى أخرى، وإن بدت استبشارا بالحركة التي تعمل على تغيير المعالم القديمة بما ترمز إليه من رؤى مستقبلية، فكل شيء يتغير بل ينهار ليقوم مقامه شيء جديد، وإبان هذا التحول تغترب النماذج الممثلة للقديم لتحل محلها رموز جديدة.
تلك رؤية تاريخية تتشكل فالعالم القديم الذي تتجسد معالمه في الأشياء والأحياء، من المقهى إلى المعلم عطية صاحب المقهى، وعبد الله القهوجي الجرسون وصبي المقهى، إلى ابن صاحب المقهى، إلى المعلم عمران طباخ الملك فاروق، إلى قدري الانجليزي الذي يلوذ باوهامه، إلى بائع الفول، كل هؤلاء يغربون عن وجه الحارة ويتساقطون واحدا تلو الآخر ليبعث عالم جديد فيلوذون بغربتهم القاتلة وأزمتهم المستحكمة.
كان إبراهيم أصلان بخيلا في التأليف بطيئا في الإنتاج، وكأنه لايريد أن يستحث زمنه على الرحيل لأنه يعلم أن الآتي أظلم، فتستغرق كتابة رواية (مالك الحزين) أكثر من عقد من الزمان من 1971 إلى 1981، فهل هي رؤية تاريخية تستشرف الغيب وتستشيم بروق الثورة التي يعلم أنها تتشكّل عكس إيقاع الزمن في تؤدة وعلى مهل، فيموت وقد أدركها، ومات وهو على ثقة من حدوثها أخيراً بعد أن تلبّثت في طريقها طويلاً.
يموت وقد شرّقت به الحياة وغرّبت، من حقيبة البوسطجي التي تشبّثت بعاتقه وهو يمضي على دراجته الهوائية بما أوتي من صبر وهدوء، ومن اقتضاب في برقياته الكتابية التي تحرص على تطبيق الحكمة الذهبية "خير الكلام ما قل ودل".
ولا يكاد يكمل العشرة من المؤلفات فيموت بعد أن نشر تسعة كتب، بعضها حسم أمره وآب إلى لون من التصنيف يدخل في عداد الأنواع الأدبية السردية، مثل "بحيرة المساء" المجموعة القصصية الأولى التي استجلبت له السعد فتفرغ للأدب، وعرف بقلة الإنتاج فهو يكاد يكون أقل كتّاب الستينيات إنتاجاً وأصدر ثلاث روايات هي مالك الحزين التي تحولت إلى فيلم داود عبد السيد الشهير الكيت كات ، وأدّى بطولته محمود عبد العزيز وشريف منير، ووردية ليل (1991)، وعصافير النيل (1999) التي تحولت أيضاً إلى فيلم للمخرج مجدي أحمد علي بالعنوان نفسه (2009). هذا إضافة إلى ثلاث مجموعات قصصية هي بحيرة المساء (1971)، ويوسف والرداء (1983) وحكايات من فضل الله عثمان (2003)... فضلاً عن كتابين نثريين هما: خلوة الغلبان (2003) وشيء من هذا القبيل (2007). أما آخر أعماله المنشورة، فـ حجرتان وصالة (2009) الذي سمّاه متتالية منزلية، وقد عرف أنه قد حضّر كتابين آخرين مخطوطين للنشر قبل أن تأزف ساعة الرحيل.
لقد عرف بكثير من السمات التى رأى كثير من النقاد أنها نتجت عن اشتغاله في مصلحة البريد والبرق فجاءت لغته عارية زاهدة مكثّفة محسوبة مقطّرة مركّزة، وكأن كل شيء بحساب لكل كلمة ثمنها المقدر، ولعل أبرز ما يمكن أن نشير إليه هو أن أصلان - وإن بدت عبارته مقتضبة عارية – كان يريد أن يصل إلى جوهر الإشكالية الاجتماعية، وقد تناغم في ذلك مع جيل من كتاب السرد في تلك المرحلة كانوا ميالين إلى الزهد في العبارة، وعمدوا إلى الاقتصاد في المجاز ـ فجاءت عبارتهم شحيحة بحمولاتها البلاغية، لأن ذلك لاينسجم مع مرارة اللحظة التاريخية ومحرقتها فلم تكن تحتمل أي لون من ألوان الترف البياني لأنها كانت تتعامل مع اللحم الحيّ وهو ينزف، من هنا كانت (تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم بعباراتها العارية التي تكاد تسير حافية على نصل السكين وتواجه مخرز الجلاد.
ولعل في نزوع أصلان إلى كتابة القصة القصيرة واللواذ بأكناف عباراتها المشحوذة بمسن اللحظة ما يعبر عن ذلك، فلم يعد في القوس من منزع لتحمل استرخاء الكتابة المجانية التي تتثاءب عباراتها الوصفية المترعة بالتفاصيل، لذا جاء شحّه بالرغبة في تصنيف كتاباته في خانات النوع الأدبي مبرراً إلى حد ما، فإذا بنا نجده يصنّف كتابه الأخير "حجرتان وصالة" في خانة من صنعه هو (متتالية منزلية) حيث النفاذ إلى أسئلة وجودية أراد أن يجيب عليها فلم يجد سوى ذلك المنزل الذي استوى منفى وجوديا لكهل ارتحلت عنه زوجه لتتركه في عزلته بين الأطباق والأشياء المنزلية الصغيرة وعلب الدواء حائرا يبحث عن معنى.
ويرى بعض النقاد - وفي رؤيتهم بعض الحق- "أنه في جميع نصوصه، تكاد صفحاته تضيء من فرط البياض لقلة الكلمات. ويبدو السرد الفعلي أحياناً ليس في الأحرف والعبارات، بل في المساحات الخالية بينها، ويكاد يستحيل اقتباس شيء من النصوص. المدهشة ليست في سطر بعينه، بل في ما يظهر وما لا يظهر معاً. يصعب الاجتزاء والاقتباس".
كان عمله في البريد سببا في اختراقه للحجب التي كانت تحول بينه وبين الرؤية الصافية لواقعه، وكانت دافعا من الدوافع التي زجّت به في ذلك البحر المتلاطم ليصارع أمواج الهموم المجتمعية بكل أوضارها وأوزارها، ويحس بنبض قلوب أصحابها، وليستمع إلى نبض قلبه وقد تداخل مع نبض قلوبهم، لقد ساعدوه على استكشاف ذاته كما ساعدهم على اكتشاف أنفسهم ، فما زال يذكر كلمات تلك الصبية المراهقة التي نبهته إلى استغلال إمكاناته في عمل آخر يليق به بدلا من أن يعمل ساعيا للبريد، واستمع إلى الشيخ الهرم الذي زجره وقذف به في محرقة الكتابة، أيضاً.
ولم يكن ذلك كله ليغير من الأمر شيئا، أو ليقدم لنا كاتبا في حجم إبراهيم أصلان، لو لم يكن هذا المخلوق يختزن في نفسه تلك الطاقة الإبداعية التي فجرت فيه بركان الكتابة وجعلته يفرح بالثورة وإن استبطأها ففاجأته بعد أن اشتعل الرأس شيبا وزحف به أجله إلى القدرالمحتوم.
وإذا كان مالك الحزين طيرا قادرا على أن يعزف أعذب الألحان الشجية عندما يجرح أويصاب بأذى، ويمتاز برهافة حسه وقدرته على معرفة مصادر الخطر، كما يقدرعلى الاختفاء في وسط أشد البيئات وحشة بين عيدان القصب، وأكثر المستنقعات قسوة، فإن إبراهيم أصلان الكاتب الذي عاش وسط غابات الوحشة، وتلمس منافذ الفرج، ونجح في اختراق حاجز العزلة، ليصنع قدره وليمارس إبداعه أديبا وفنانا، وسط أكثر مستنقعات الرطوبة وحشة فعرف به، وهو الذي اختاره عنوانا لرواية اعتبرت من أفضل مئة رواية عربية.
لقد رفض أن يحظى بمقابلة رأس النظام في مصر حين دعاه ليكون بين نخبة من مثقفي مصر حتى لايكون غطاء لممارساته، وفضل أن يظل قابعا في ميدان التحرير ثائرا أشعث أغبر، وحين ادلهم وجه الميدان بدخانه الكثيف نزف قلبه مع كل حجر يسود من لهيب النار التي التهمت تلك الثروة الحضارية المعرفية الزاخرة فانتفض الألم في عروقه واستنكر تلك الفعلة الشنيعة فعقب قائلا:
كنت أتابع الأحجار المتبادلة والقذائف المشتعلة وهى تتطايرعاليا فى قلب الدخان الكثيف بينما عدة مئات من الصبية يحرقون المجمع العلمى المصري وكأنهم جماعة من التتار الصغار، فى أسوأ كارثة ثقافية يشهدها العالم منذ قرون.
لقد رحل إبراهيم أصلان، مخلفا وراءه تركة أدبية ذات أصالة وخصوصية، وأبى إلا أن يكون رحيله في ربيع بدأت بعض أوراقه الخضراء تذوي وتصفرّ، فخشي أن ينكسر قلبه فاستحث ركائبه.