|
|
غرق المثقف في السياسة
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
ترك الشاعر السنغالي ليوبولد سنغور رئاسة بلاده من تلقاء نفسه . لم تخرج مجموعة من السود الذين بلون جناح النسر لتصرخ في وجهه “الشعب يريد إسقاط سنغور” . كان الرجل يجلس على كرسي الشعر أكثر مما كان يجلس على كرسي الرئاسة . السلطة بالنسبة إليه هي سلطة الشعر الذي جعله أكثر صفاء مع نفسه . شاعر يعرف تاريخه جيداً، ويعرف أن المجد يتحقق في الفن، فالاستبداد ليس مهنة الشعراء .
قبل أن يتخلى عن رئاسة السنغال، كان خلف سنغور تاريخه الشخصي، وتاريخه النضالي، فقد قاوم الألمان، واشتغل في السياسة بقلب شاعر . في عام 1961 أصبح رئيساً للسنغال، وفي عام 1980 ترك السياسة إلى الأبد وتفرّغ للشعر .
له قصيدة نقلتها إلى العربية زهرة رميح يقول فيها:
“أيها الرجل المشؤوم
ذو المنقار الفولاذي، يا ثاقب الفرح
إني أمتلك أسلحة وثيقة
كلماتي الصلبة القاطعة ستدميك
رقصي، ضحكي، ديناميت يهذي
الكل ينفجر كالقنابل . سأرديك قتيلاً
أيها الغراب الأسود، يا ثاقب الطبول، يا ثاقب الحياة” .
حالة سنغور ليست حالة نادرة كنموذج على تخلي المثقف عن كرسيه إذا وجد نفسه في قلب سلطة سياسية تتنافر مع أشواقه الثقافية، وأقرب مثال على ذلك حالة الشاعر الراحل محمود درويش الذي فرّ بشعريته وخصوصيته الشخصية من العمل السياسي المباشر في منظمة التحرير الفلسطينية، واختار أن يبقى محمود درويش الشاعر فقط، فقد كانت سماء الشعر بالنسبة إليه أوسع من سماء السياسة وأكثر رحابة وحرية .
أما وزير الثقافة الفرنسي السابق الشاعر دي فيلّلو بان، فلا أحد يتصور المرارة التي تجرّعها بعدما فشل في الوصول إلى رئاسة بلاده، ولو اكتفى بالشعر ونأى بنفسه عن مطبات ومفاجآت السياسة وتبعاتها المؤلمة أحياناً لحفظ ماء وجهه، كما فعل بابلو نيرودا الذي تعفف عن السلطة وظل في جزيرة نفسه الشعرية رغم أنه كان الصديق الأقرب للرئيس التشيلي سلفادور الليندي، أما المثقف الفرنسي المعروف أندريه مالرو، فقد ندم أشد الندم على طاعة ديغول الذي ورّطه في السياسة لينسيه بذلك جوهره الثقافي .
الروائي “فاتسلاف هافل” رئيس تشيكيا السابق تنحى عن الرئاسة، واختار الكتابة فضاء أوسع من فضاء السلطة .
المثقف، وتحديداً المفكر أو المنشغل جذرياً في العمل الفكري الثقافي، عندما يغرق في السياسة يغرق في رمال متحركة، يخرج منها بالكثير من التشوهات الخِلقية والخُلقية .