أحمد العسم: مازلت أحفظ أناشيد المسحراتي وأغانيه
يرى الشاعر أحمد العسم، أن لشهر رمضان المبارك ذكريات جد جميلة، وهي تعد كتاباً، تتدرج صفحاته، منذ بداية وعيه، وإلى هذه اللحظة، حيث لاسم هذا الشهرالفضيل وقع خاص في نفسه، يتميز به عن بقية شهور العام، فهو شهر الخيرات، والإحسان، والتوادّ والتحابّ، والطاعة، ويقول “في شهر رمضان اعتدت أن أكون صافي الذهن، متألق الروح، على خلاف الأشهر الأخرى التي تزدحم فيها روحي بالمتاعب، والمشاغل الهائلة التي تكاد لا تنتهي، وكأني بهذا الشهر مطهر النفس المؤمنة، إذ أنصرف فيه إلى التأملات التي لا تنتهي، أنبذ من أعماقي كل ما يتعلق بالكراهية، لأفتح أبواب الحب، وأراجع نفسي، عما قمت به، على مدار عام كامل، ليكون الشهر جسراً إلى الآخرين” .
ولا ينسى العسم، أن يتوغل بذاكرته - بعيداً - كلما ذكرت كلمة رمضان، حيث ترتسم ملامح الطفولة الأولى، عندما تعرف للمرة الأولى، إلى اسم هذا الشهر، ذي الإيقاع الساحر، في النفس، حيث كانت الأسرة تستعد، قبل مقدم شهر رمضان، بمدة طويلة، لاستقباله، بحفاوة خاصة، وكان الشهر وكأنه تاريخ في أذهان الناس، كما عيد الفطر المرتبط به، حيث تقوم الأسرة بشراء ما يلزم من مؤنة، وأطعمة، وحلوى، تكفيها على امتداد أيامها، ومنها مأكولات تكاد تكون خاصة بهذا الشهر، فضلاً عن الضروب المتوافرة من العصير والشراب، يقول العسم “أتذكر كيف أن تحديد اليوم الأول من شهر رمضان، كان مدار الحديث بين الناس، فثمة من يراه يبدأ في اليوم الفلاني، مقابل آخر قد يختلف معه، ليكون الاحتكام إلى الخبر الرسمي الذي يعلن عنه عبر جهاز الراديو الترانزستور، ليتم الحسم النهائي، ويشترك الكبار والصغار، الرجال والنساء، باستقبال هذا الضيف غير العادي” .
ويتابع العسم “منذ أول يوم رمضاني، فإن الأسرة برمتها تشارك بعضها بعضاً بهذا الطقس الخاص، حيث يكون الامتناع عن الطعام والشراب الجامع بين كلهم، منذ لحظة الإمساك إلى لحظة أذان المغرب، بل إن أخلاقيات رمضان، تجعل الصائم يبتعد عن إلحاق أي ضروب الأذى بسواه، سواء أكان ذلك اغتياباً، أم نميمة، لأن الروح الإنسانية، تكون في أوج تألقها، وطهرها . ويتذكر العسم كيف أن الأسر كانت تتبادل الأطعمة قبل موعد الإفطار، بل وكيف كان أبناء الحي يجتمعون في مكان واحد، حيث تقام في مثل تلك الأيام، مأدبتان، إحداهما للرجال والأخرى للنساء، إذ يأتي أصحاب كل بيت بما أعدوه من أطعمة، لتكون هذه المأدبة منوعة، شهية، وكأن أبناء الحي إنما هم جميعاً أبناء البيت الواحد .
وثمة صورة، تكاد لا تفارق ذاكرة الشاعرالعسم، وهي صورة المسحراتي الذي كان هو وذووه، وأصدقاؤه الأطفال، يستيقظون على صوته الجميل، موقظاً من هو نائم منهم، بل إن أناشيده وأغانيه التي كان يرددها، لما تزل من عداد محفوظاته الأولى التي تترنم بها روحه، ويقول: الآن، قد تمت الاستعاضة عن هذا المسحراتي، الذي غاب نهائياً، حيث بات التلفزيون يؤدي دوره ومهمته .