|
|
جمال مطر يحاضر عن المتنبي مبدعاً ومعلماً
بتنظيم من مركز ديرة الثقافي أقيمت مساء أمس الأول في مسرح دبي الأهلي محاضرة هي عبارة عن قراءة للإعلامي والكاتب جمال مطر في حياة أبي الطيب المتنبي تناول فيها أبرز المحطات الشعرية والشاعرية التي اكتنفت حياته، كما ألقى الضوء على كثير من قصائد هذا الشاعر مبيناً جماليات سبكها وقوتها البلاغية والشعرية ومقدار ما اتسمت به من حكمة وفلسفة عميقة تنطق عن تجربة أهلته ليكون شاعر العرب وأميرهم ومثار نقاشاتهم ومرجعهم في كثير من الدلالات والمعاني التي انطوت عليها أشعاره .
حضر الأمسية التي قدمها خالد البشير المسرحي عمر غباش نائب رئيس مجلس إدارة مسرح دبي الأهلي وعدد من المثقفين والمهتمين .
ومما جاء في محاضرة جمال مطر قوله “هل ما قلت فيك يكفي ويزيد، أم أنه قليل من كثير فيك، ما أنصفتك بكلامي عنك، ما كنت جديرا بك، سأتعلم الصبر من جديد، وسأجلس مع نفسي ألومها أني تسرعت في الحديث عنك، فأنت زمن طويل لا ينتهي، وستة أشهر أو سنوات لا تكفي، أنت أردت العمر كله لك، أن أتجرأ وأكتب عنك أنا البعيد القريب، والذي لولا حبه ما بدا، ولو أني كشفت عنك القليل، فعذري أني أردت الكثير . .” .
تدرج جمال مطر في ما يشبه السيرة التي تلم بأحوال ومقامات أبي الطيب، في التأكيد على شاعرية المتنبي، ذلك الذي شكل هاجساً مقلقاً لخصومه، بمثل ما كان كبيراً وعزيز المكانة والمهابة في نفوس ممن وثقوا فيه، فقدروا مكانته الإنسانية العالية التي تنطق عن صدق وشفافية وفروسية نادرة، كما هو حاله في بلاط سيف الدولة الحمداني وكافور الإخشيدي، انتهاء بموته مقتولاً أو مغدوراً، نتيجة مواقفه، بل نتيجة ما لهج به لسانه من شعر في قصيدته التي يقول فيها:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ومما كان لافتاً بالنسبة لجمال مطر في تجربة المتنبي، تلك الموهبة التي تميز بها أبو الطيب عن غيره من شعراء عصره، ألا وهي موهبة “الارتجال” ما أهله ليكون شاعرا خارقا للعادة، وموهبة الارتجال هذه تعددت في كثير من الأحداث التي مرت بالشاعر، فكان بحق استثنائيا، وكل قصيدة له بمثابة فتح جديد في اللغة، وحديث المجالس والشعراء، بمثل ما انطوت عليه من حكمة ومثل، وأيضا بمثل ما كانت حروفه منتقاة بعناية، حتى إن المتابع الحصيف، يكتشف أن ثمة علاقة بين هذه الحروف والكلمات التي تحتضنها، فكانت لديه أي المتنبي، قدرة على اختيار حروف بعينها، ذات دلالة صوتية تناسب الحدث الذي يراوده، استخدم لمعاني النفور أو القذع، بعكس ما كانت تتمتع به الحروف الرقيقة التي تناسب أحوال ومقامات العلاقة الإنسانية والحميمية .
وقال مطر “لقد كانت الكلمات تأتي للمتنبي طيعة ومستبشرة، وكان دائماً يبحث عن اللغة الخالصة، وبمثل ما كان شاعراً بسيطاً مع نفسه، فقد كان لغزاً بالنسبة للآخرين، كما كان مثقفاً أسس دولة للشعر يحكمها بنفسه، ولم تغب الفلسفة يوماً عن شعر المتنبي، إنما هي فلسفة مطورة باقتدار منحها المتنبي قدرة هائلة من التأويل والتلقي، فاستحق أن يمدح وهو الذي جعل من بسيط الكلام شعراً شفافاً، وإذا كان المتنبي قد مات، فإنه موت مجازي، ذلك أنه حاضر بقوة في مجمل الساحات الشعرية العربية، وهو الذي منح العربية ما لم يمنحها شاعر من قبل” .
واستشهد جمال مطر بعدة أبيات من تجربة المتنبي، فيها قدر عال من التصوير، ولم ينس في هذا المقام أن يتتبع الحياة الدرامية لهذا الشاعر الكبير تلك التي انتهت بموته، وكأنها حياة كانت منسوجة بمحمول شعري صميم، أو لعلها كانت حياة تسير على نحو شعري، وهو من الأسباب التي تضاف إلى قيمة وعظمة هذا الشاعر، التي يفكر جمال مطر بتضمينها واحدا من كتبه التي ستصدر قريبا .
وكان خالد البشير قدم للمحاضرة بقوله “لم يكن المتنبي شاعراً وحسب بل كان نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، حتى إن شعره ظل إلى اليوم مصدر إلهام ووحي للشعراء والأدباء، كما كان صاحب كبرياء وشجاع وطموح ومحب للمغامرات، وكان في شعره يعتز بعروبته” .
في نهاية اللقاء نوقشت الكثير من القضايا التي تتصل بحياة وتفاصيل وشعرية المتنبي شارك فيها عمر غباش ومقدم الندوة والمسرحي عدنان سلوم وغيرهم، كما أكد المحاضر وهو يجيب عن أسئلة الحاضرين مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وهو الشاعر الذي يناصر العربية لدوره في التأكيد على هذه اللغة وطرحه مبادرة للاهتمام بها من خلال لجنة عليا تدعم حضورها في المدارس الحكومية وغير الحكومية والمؤسسات والدوائر المختلفة .