كم سعر الخبز في فلسطين؟
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
تبدو فلسطين التي يعيد الشعراء على وجه التحديد جذرها اللغوي إلى أصل كنعاني من أصغر البلدان الموجودة على الخريطة، فهي في الرسم الجغرافي الخاضع لخطوط الطول والعرض تبدو كأنها مرسومة بالطول . بلد رشيق له خاصرة سمّاها محمود درويش خاصرة الكرمل . شمالها لبنان الرشيق أيضاً وجنوبها صحراء قليلة السكان من أولئك البدو الذين خسروا بلادهم قبل أكثر من ستين عاماً، ولكنهم لم يخسروا تلك الذاكرة التي تشدّهم إلى الجنوب الفلسطيني الخالي من السكان . . سوى بعض المعتقلات “الإسرائيلية” التي يكثر ويتكاثر فيها المعتقلون لأنهم قالوا: كم ثمن الحرية؟
لكن الفلسطيني الآن وقبل الآن يسأل: كم ثمن ربطة الخبز؟
في الواقع الاحتجاجي العربي يتساءل الفلسطيني متأخراً جداً، ويقول لماذا لا نأكل مثل البشر في أرض الله الواسعة بأسعار مخففة . . الفلسطيني ليس له ربيع سياسي عربي، فقط يعلن احتجاجاً علنياً لأنه لا يوفّر ذلك الرغيف الذي يشبه القمر لأولاده الخارجين من فم الشمس .
في هذا الكلام شيء من الشعر، ولكن من قال إن الفلسطيني طوال حياته ليس كائناً شعرياً حتى وهو على فراش الموت؟
يدخل الفلسطيني إلى الربيع الذي ليس ربيعه من بوابة الخبز، وهذه المرة هو هذا الفلسطيني لا يشعل انتفاضة بالحجارة ضد العدو الواضح وضوح عين الشمس، ثم، لا يذهب إلى القتال لكي يحرر بلاده من الجيش المملوء بالسلاح ثم هذا الفلسطيني البسيط مثل قصيدة النثر لا يذهب إلى البحر لكي ينتظر “الإسرائيلي” على الشاطئ ثم يرمي به إلى الماء .
لا شيء يحدث أبداً على الجبهة الفلسطينية .
فقط الخبز والماء وتحويل الحياة من قاع الأرض إلى سطحها الطبيعي كما يعيش البشر . . هذا هو المطلوب في الزمن الأسود . الزمن الذي يختزل الفلسطيني إلى جائع وهو أرضه أرض الزيتون والزعتر والبرتقال .
كم سعر الخبز الفلسطيني؟
الذين يعيشون في بيوت من حجارة الرخام، وأولئك الذين يجلسون على المقاعد الثقيلة، وأولئك الذين . . (وما أسوأ هذه “الذين” لكثرة تكرارها) ينقسمون اليوم بين مدينة على ساحل البحر ومدينة بالقرب من صخرة الله . . هم بالتأكيد لا يعرفون طعم الخبز الحافي . . خبز الناس وخبز الأطفال .
غزة بلا ماء ولا كهرباء . رام الله بلا هواء . القدس بلا حماية وبلا حرّاس . بيت لحم تبكي فيها الأجراس . الخليل بلا شهداء يرفعون أصواتهم حتى سماء الله .
كم تبقّى لديكم من الخبز؟
كم تبقى لديكم من فلسطين؟