لا تنم بين القبور
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
السياسة لها أحياناً طعم الخبز، ولكن في الكثير منها لا مذاق ولا نكهة لرائحة القمح . من يصنع خبزاً بلا قمح فهو كاذب . ببساطة مذاق السياسة هو الثقافة . هناك قاع للسياسي من دون أن نقول إن له قاعدة، أو اترك كلمة المرجعيات في هذه الحالة، فهناك التباسات وتشويش أيديولوجي لا حدود له، والمثل العربي يقول “لا تنم بين القبور ولا تحلم أحلاماً مزعجة”، وبكلمة أوضح شرحاً ابتعد مهما قدرت أيها الإنسان العربي الجريح إذا سمحت عن أي التباس وعن أي تشويش . يكفي أن العالم . . عالم هذه الأرض التي ينقص عدد سكانها يومياً بمعدل مرعب ملتبسة ومتأرجحة بين الغموض والوضوح .
قاع أي سياسي وقمته، إذا كان حقيقياً مع نفسه وصادقاً في عمله فقط هو الثقافة، أو بعبارة أخرى الحنين إلى الزمن الجميل في الثقافة والفكر والفلسفة والحكمة “ . . ورأس الحكمة مخافة الله”، لذلك، كان أكثر مفكري وشعراء وفلاسفة ذلك الزمن الجميل يخافون الله الذي في قلوبهم ورؤوسهم، والخوف عندهم كان مرتبطاً بالأرض وبالسماء، وعندهم اولئك القدامى الذين أسّسوا فكر العالم وفكر الحياة أن القبور للموتى، والبيوت للأحياء، بكل وضوح، كما يصنع الخباز خبزه .
لن أبتعد أو أتداعى كثيراً . . ما الذي يمنع سياسياً متنفذاً وهو صاحب قرار في الهند = مثلاً = من العودة إلى حكمة طاغور؟
هل هناك مشكلة معقدة في إعادة قراءة “آرنست همنغواي” بهدوء، لكي يتعلم منه السياسي الأمريكي = مثلاً = كيفية صيد الأسماك بتلك السنارة الخفيفة التي تشبه ظفر امرأة . . من دون الحاجة إلى صيد البشر بالمارينز؟
ما المشكلة = مثلاً = في عودة الرئيس الفرنسي إلى قراءة رواية “البؤساء” لفكتور هيجو ليكتشف، ربما، أن البؤس الإنساني في العالم كله واحد، ثم إن البؤس في أغلبه يشير إليه الروائيون والشعراء، ولكن السياسيين لا يكلفون أنفسهم التقاط هذه الاشارة وقراءتها جيداً .
ما الصعوبة في عودة أي زعيم سياسي كبير في روسيا = مثلاً = إلى قراءة مكسيم غوركي، ليعرف أن الحرية ليست فكرة روائية عابرة تُقرأ في كتاب، وإنما تحتاج إلى الكثير من العمل . .
هل ينزعج كثيراً سياسي صيني كبير = مثلاً = من قراءة كونفوشيوس الآن . . الذي كانت الحكمة تتصبب مع عرق جبينه؟
ثم . . إذا كان من الممكن قراءة حافظ شيرازي = مثلاً = برؤية جديدة في إيران . . فَلِمَ . . لا؟
لماذا لا نترك طعم الخبز ونذهب مباشرة إلى روح القمح . . هناك ترفع الثقافة رأسها فوق رأس السياسة، فلا ننام بين القبور، ولا نحلم أحلاماً مزعجة .