«رذاذ على زجاج الذاكرة» لجلال برجس
* الدستور الاردنية
إن هدف التفسير الأسلوبي النهائي للنصوص الأدبية هو الاستيعاب وإثراء المعرفة والاستمتاع، فأمادو أولونسو يقرر ضرورة نبش وإبراز القيمة الشعرية في العمل الأدبي، أي الإبداع ذا القيمة الفنية الذي يمنحنا إحساساً جمالياً رائعاً، وليس الانشغال الحصري بالجوانب العقائدية والاجتماعية والدينية ... وهذا بدءا ضمانة هذه القراءة!
ينطلق الأديب الشاعر جلال برجس في فضاءات الأمكنة على تشكلاتها ورحابتها ويمخر عباب جوهرها في انفتاح على بحر التساؤلات الكبرى عن أسرار التكوين.. في «وسط البلد» جئتُ هنا لأتَذَكَّر....جئتُ هنا لأعيش.
وعن ذاك المتخيل في ذاكرته والمتشكل في خارطة الوجدان.. فقد جاءت حكايته المكانية رذاذا على زجاج الذاكرة.. «للأماكن أسماؤها، والأسماء مصائر، تتبدل... للأماكن أسماؤها المتعاقبة، المتبادلَة، المتبَدَلة، كوجه الحضارات... وقلب عمان على حاله، تبدلت الألوان، اللكنات، الأغاني، شكل الكتب ومضامينها، القصائد، لون الهواء، طعم الماء، كل شيء تبدل، لكن لبّ المكان كما هو، بوقعه الواضح، وضوح المدن التي يعجنها التاريخ على مهل، ويسوي من عجينها خبز اللحظات.
والمكان قلب لا ينسى، المكان قلب يأسى، يبكي المكانُ، ويصهل بالفرح. المكان عُشّ الذكريات ومرقد الحنين.»
إن النصوص النثرية عند جلال برجس ارتحال سلس مع الفكرة والكلمات.. وله هنا ذات الحضور الوجداني كما في نصه الشعري.. «ملامح شرقية، غربية، شمالية، جنوبية. .... والمشهد فسيفسائي يولِّف نفسه في موجات البال، ويقرص خدَّ القصيدة:
«حُشْ بي، يا مُهْرَ الزحام ظباءَ الذكرياتْ
ولَمْلِمْ
يا بابَ المدينة آخِرَ الأنفاسْ
رئتاي ضيقتان
رئتاي صارتا ضيقتين
مراياي مشظاة
ومرآة الشوارع تُحيْلُني للشهيقْ
أعْرِف بحكمة البدوي في أنامل الروحِ
أن الشوارع ماءَ العطاشى للحياةِ
ورثمَ المترفينَ بوقع الحنينْ»
.... فأمشي والمشي في «وسط البلد» تماماً يشبه المشي بين مفردات قصيدة وُلِدَت فجأة، فيجيء الانتباه على مَحْمَل السهوّ. أطلّ ورائي، أطلّ أمامي، يميني شمالي، أحس بأنني حيّ ههنا، أعزف موسيقاي التي أريد، أرسم لوحتي التي أحب. «غير أنه عمد كثيرا هنا إلى التخفف من الرمزي ليتجشم الولوج إلى عالم التاريخي والتراثي والثقافي والحضاري.. « سُميت (معين) وفي ذلك إشارة للمياه الجارية، والماء حري بمعان التي إن صعدت أشجارُها تصعد خضراء لبلابة وخضراء حد الانبهار، ففي علوم الأولين لطالما تغنوا بثمارها التي أخذت حقها من الوصف، مثلما قال «جورج أوغست فالين» (وهنا تزرع أشجار مثمره أهمها الرمان المشهور بأنه أطيب مما تنبت الأرض)».
لقد جاءت نصوص رذاذ على زجاج الذاكرة، خطوة أخرى نحو الأمام في مسيرة أدب المكان الأردنية. وهي عند جلال برجس - كما يخال لي- ذات وجهين يمضيان منكباً بمنكب دونما ثقوب أو هُوىً نسقية، فهي على ظاهر السرد أو باطن التأويل تحمل معاني عميقة جديرة بالالتفات إلى واقع المكان الأردني بتحدياته وتطلعاته «الطريق طويلة إلى معان، كصدى لحداء رجل بلل قلبه الحب فراح يغني... الطريق صحراوية إلى معان، لكنها وافرة على الروح، خصبة وأنت تسمع ما تبادر للمدى من حكايات الحجيج، ومن وقع سنابك الخيل على بطن الرمال، وهي تسرد للريح صهيلها. الطريق إلى معان، طريق إلى الجنوب. والجنوب دوماً منارة لإضاءتها في القلب انعكاسات خصبة، تدلّك كلما لمسَ التيه حافّة القلب»، فلم ترسم النصوص الشخوص على إيقاع المتخيل المثالي، أو على لعن الواقع السلبي المر، لأن «رسم البطل على صعيد واحد وإهمال كل ما من شأنه أن يحط من منزلته والتحدث فقط عن اندفاعه ونجاحاته في العمل، يجعل منه إنسانا وهمياً لا وجود له».
لقد جعل جلال برجس من المكان عالماً حميما ووعى مسألة استحضاره مألوفا معاشا «الفرق بين المدن الكبيرة وبين الصغيرة منها؛ أن الصغيرة تَلِج القلب بسرعةٍ، تماماً كالحب الأول؛ منذ النظرة الأولى، اللمسة الأولى، الشهقة الأولى. هكذا قلتُ لنفسي وأنا أترك مَعانْ والحافلة تستبيح امتداد إسفلت الطريق الصحراوي باتجاه عمان. كان ذلك قبل ثمانية عشر عاماً، والآن يمسك بي الشوقُ من ياقة روحي ويُيَمِّمُني شطرَ الجنوب؛ الجنوب، الجنوب مرة أخرى». إن الفضاء المكاني في «زذاذ على زجاج الذاكرة» فضاء الواقع والمتخيل على نحوه التفاعلي مع الذاكرة، «ومعان كحبات لؤلؤ تناثرت في كف السخاء، ببيوتها التي اتخذت مزاجاً عمرانياً مختلفاً، بطرقاتها التي تقتاد زائريها دوماً إلى (الهلا والهيل) -حيث أن قهوة معان شقراء كحركة اللون في مزاج الصحارى-.
قال لي ونحن نستجر خبز الكلام أن معان غشاها في 11/3/1966 م سيل مسح كل شيء لكنها عادت كما لو أن ذلك السيل لم يأت من قبل. ومعان تاريخ ناصع في دفتر التاريخ أحبها الملوك والأمراء، عشقها العابر والمستقر. معان تلك المدينة الوحيدة في العالم والتي تجمع مزاج الصحارى بمزاج المدنية بحيث نلمس الأصالة والمعاصرة في آن واحد، تحمل في جعبتها تاريخ عريق بدايته منذ زمن بعيد؛ ومازال هذا التاريخ مستمراً بحركته الدؤوبة في فضاء الزمن».. فهو مفتوح على امتداد الطريق بين مادبا إلى هناك ثم العودة إليها، ولكن المكان على اقعيته كان متخيلا من صنع جلال برجس ابن العاشرة «صباح الخير يا عَمّان، وطئتُ شوارعها، في وقت كنت أتجاوز فيه السنة العاشرة من عمري ببضعة شهور، طفلاً بدوياً، يحْمل في دواخله تاريخ البداوة بأكمله... بصحبة أبي، كان وما يزال أبي يحب فيروز فأهداني في ذاك الصباح الذي ولجنا به عمان، أجمل أغنياتها، وسيارة أبي المرسيدس ال190 تسير على مهل»، أو طالب الجامعة لكنه فوق كل هذا يشكل جزءا من عالم الأمكنة المحمل بصور الواقع الطبيعي والعمراني ولكن أيضا بتصورات ودلالات رمزية.
عسكرت نصوص جلال برجس في هذا الكتاب كل أسباب البيئة الطبيعية لتتفاعل مع البيئة البشرية ثم لا تلبث هذه الحالة بالتفاعل مع ذاكرة الكاتب الصاخبة، والحالمة، فينامى الارتباط بالمكان بمكونيه البشري والطبيعي.. فالأشخاص في حكايات زذاذ على زجاج الذاكرة يرتبطون بالتكوين المكاني الحقيقي والمسكون في عقل وذاكرة ووجدان جلال ارتباطا عضوياً، يصطبغون بصور أماكنهم التي شغلوها «(أبو علي) وهو يقف أمام كشك الكتب بابتسامته العريضة.... بائع الفستق الذي قال لي صديقي الشاعر «محمد سلام جميعان» انه أتى من إحدى مناطق إفريقيا منذ زمن بعيد. .... المحال التي كانت ببضاعتها وألوانها وزهوها كوقع طائر على جنح القلب، المكتبات، أكشاك الصحف، أكشاك كاسيتات الموسيقى والأغنيات، المقاهي، المارّة، السيارات، وصبايا عمان اللواتي على قيّد الشروق نثرن بهائهن في فضاء الصباح. الرجل طويل القامة الذي كان يرتدي زياً غريبا، تضاف إليه كبرياء ونظرة عجيبة؛ جعلني أتوقف واسأل سؤالي الأول: من هذا يا أبي، إذ رد بضحكته المميزة قائلاً انه نابليون أو هكذا يقولون عنه نابليون بزيه الفرنسي العسكري الملفت للنظر، إذ أشار لي بهمس أن به شيئا من الجنون. ومطعم هاشم ...... واصرخ بأعلى صوتي البدوي: صباح الخييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييير يا عَمان».
ورغم كُل ما في هذه النصوص من يقينيات ودهشة ودفق رؤىَّ لكنها لا تَقَرُّ إلى ركنٍ تصنيفي، تتوه في متلاطم الإشكالية التصنيفية، بل لعلها ترتطم بها بقصدية صاحبها وإرادته، فكتاب رذاذ على زجاج الذاكرة تَمْازجٌ واعٍ يمنح سِحرَ الولوج إلى عالم الشعرية، والمونولوجية الروائية، والحكائية لأنها الأقدر على البوح. ويتنوع المكان بين الواقعي والمفترض والحقيقي والمتخيل، فقد عايش جلال برجس واقعها بشواخصه ومسمياته «لم تكن مادبا، المدينة التي تمتطي شرفات دمي، على هذه الحال قبل أربعين عاماً. إذا كيف كانت؟
(هناك على رأس الدير يرتفع الصليب وهناك على رأس المئذنة يرتفع الهلال وفي السماء رب واحد لنا جميعا).
تلك البيوت أثث جدرانها الطين والحجر، تتكئ على انحدار تلك الربوة، التي تهبط إلى الأسفل كنعاس لذيذ. تلك الأماكن، التي كانت أفق ذهاب وإياب للحمَام الذي يعود عند الغروب محمّلا بدهشة ريفية بعد أن أمضى أوقات في حقول القمح والشعير والكرسنة والعدس، تمتد كحكاية موغلة الدهشة، على طول الطريق التي تركض من قلب المدينة إلى عمان». وتتعاطى الحالة الإبداعية المكان في القرب الفيزيائي مثل عمان ومادبا والعقبة ووادي القمر، والقرب الحكائي المعنوي، مثل بيت الشعر والباب والبداوة مكان وزمان على أهبة الحل والترحال. وقد لا يكون المكان حميمًا بالضرورة لكنه يؤثث لديموغرافية العمل، وهو يبتعد في الجغرافيا مثل تايوان، واللامكان العالم الافتراضي عندما يصير مكانا، ويبتعد في الوجدان مع شطط المسافات مثل المطر مكان الحالمين، الباب شاهد الرحيل وشاهد الإياب.
وفي المنحى التفكيكي التصنيفي للأسماء الكثيرة التي أوردها صاحب رذاذ الذاكرة في نصوصه العابر للتجنيس ينقسم الأشخاص إلى فئات مختلفة فمنهم أدباء وشعراء أمثال تيسير السبول وغالب هلسا ومحمد سلام جميعان وبودلير وغوستان بلاشر ومنهم الأقارب الأم والوالد والجد والأعمام وشخصيات التصقت بالمكان كبائع الفستق وأبي علي ونابليون عمان وتعاطى معهم الهم الوجداني الثقافي العروبي.
فلقد شكل مجتمع هذا العمل الإبداعي عالمًا من التنوع الثقافي في وقائع حكائية وقصصية وروائيه وفنيه ورياضيه وسواها.
لقد حلا لجلال برجس في تداعياته السردية النصية والحكائية تغليب الروي الداخلي على معظم صفحات عمله الإبداعي. ومنحه هذا فضاءً مطلقًا يخلع الخوف من تابوهات الأيديولوجيا وحتميات الواقع ليذهب وعيه به مذاهب شتى بدءًا من محيطه المرئي المادبوي في ماعين ووادي الموجب. ويذهب فيه حوار المكان إلى استحضار الأردن العتيق في ضانا ونيبو ومكاور وجبال عمان، وصباحات سليحي ومساءات معان، وهو يقترب فيها جميعًا بحميمية صادقة من الأرض يُكوَّن حُبَّهُ وتعلّقه فيه بكل الأدوات السردية واللغوية التي نهض بها هذا العمل.
إنّ عناوين هذه النصوص والحكايات تعكس حميمية حقيقية وترويا ظاهرًا في ولوج العتبات إلى متاهات المتون، وهذه حالة دفقٍ إبداعي يعاود ذاته، وبوعيٍ من صاحبها، إنه لا يكتب عملا ذاتيا يشاكل السائد المألوف، إنه أدب المكان الذي يستبدّ بالمبدع تداعياً ورسوم إبتداء ورجفات انطلاقة ومحاولة رسم المداخل ومعاودة المحاولة، وهي ثيمات تقفُ إشاريةً لقراءة ما بين السطور دون تأزم، فالأمر في الحكائيات يعاكس المونولوج الروائي الذي ينثال من دفقته الأولى حالة إنسانية أكثر منها تجربة ذاتية.. ولك أن تقرأ العتبات: «جئتُ هنا لأتَذَكَّر....جئتُ هنا لأعيش»، «معان» نخلة وجهتها الغمام»، «مادبا عُشّي الأول وذاكرتي الأخيرة»، «وادي القمر ترويدة على سجيّة اللجيّن والأرجوان».
وبعد.. فالأمكنة كينوناتنا، أديمها من أجسادنا، وتقلباتها ثواني أعمارنا، كان أجدادنا عبيدها، وسجناء سطوتها في تعاقب فصولها، وصرنا سادتها نطوعها بأدواتنا كيفما شئنا، بيد أنها تنقلب علينا وقتما تشاء لنغدو ضحاياها.. وعندما يغدو المكان وطناً، تقفز في حضوره الذكريات دفعة واحدة فيتماهى المكان والزمان.. نتوق فيه لذلك الغائب، نشرع له أبواب الهوى، فيغدو الأثر طللا، والطلل حبيبا نادمناه زمانا وارتحل، ونبقى نحن يقين ذاك الزمان المجبول بأرواحنا.. المكان مرجعية لا تقبل التأويل، فهو الشاعر والذكريات والحلم القادم.