العرس



فيم كان مقدم الضيوف يا ترى ؟!!

لم يطل بآمنة الوقت .. لتعرف الخبر السعيد ..
فلقد أقبلت عليها أمها (برة) بعد قليل ..
متهللة الوجه .. مشرقة الأسارير ..
لتحدثها عن (عبد الله) .. كيف افتدي من النحر ...

وبينما كانت الأم الكريمة .. تقص على ابنتها تلك الأخبار ...
راحت تراقب أسارير ابنتها (آمنة) في لهفة ..

لكن الفتاة ...
أفلحت في أن تخفي رغبتها .. في معرفة بقية الحديث ..
وراء قناع من المداراة ..
بعد أن دلها قلبها .. على أن أمها ما جاءت تقص عليها قصة الفداء ..
إلا تمهيدا لشأن آخر ..

وفجأة ..

يأتي الأب .. (وهب) ..

ليقول لابنته في رقة وحنو ..

"إن شيخ بني هاشم قد جاء يطلبك ِ زوجة لفتاه عبد الله"

ثم عاد لضيوفه ..

!!!!

تاركا (آمنة) في شبه ذهول ..
مالبثت أن أفاقت منه على صوت قلبها .. يخفق عاليا ..
حتى ليكاد يبلغ مسمع أمها الجالسة إلى جوارها ..

أ حقا آثرتها السماء بفتى هاشم زوجا ؟!

ثم توافدن سيدات بني زهرة .. الواحدة تلو الأخرى ..
مهنئات مباركات ..

وأحطن بالعروس .. يتحدثن عما ترامى إليهن من تعرض نساءٍ من قريش .. لعبد الله..
ووقوفهن في طريقه بين الحرم .. وبين دار (وهب)..
يعرضن أنفسهن عليه عرضا صريحا ..

وسمعت (آمنة) من حديثهن ذلك عجبا .. !

سمعت أن بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية
استوقفت (عبد الله) قريبا من الكعبة ..

فقالت له .. أين تذهب يا عبد الله ؟!

قال في إيجاز ... مع أبي ..

قالت.. لك مثل الإبل التي نُحرت عنك اليوم ..
إن قبلتَ أن أهب لك نفسي الساعة !

فرد عليها معتذرا في تلطف .. أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.. !

وقيل إن (فاطمة بنت مرة) ... وكانت من أجمل النساء وأعفهن
كما ذكر الطبري وابن الأثير .. كاهنة من خثعم ..
دعته إلى نكاحها فنظر إليها وقال ..

أما الحرام فالممات دونه
والحِلُّ .. لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه


وقيل .. أن ليلى العدوية عرضت نفسها عليه يومئذ..
فلم يستجب لها ..

ولانكاد نشك في أن (آمنة) سمعت كثيرا .. وهي على وشك الزفاف ..
عن تطلع غيرها من القرشيات إلى فتاها المرموق ..
وأنها تلقت التهنئة الحارة بزواجها من الشاب الهاشمي
الذي ملأ الاسماع بقصة فداءه ..
كما ملأ الأعين بسحر فتوته ونضارة حيويته ..

فأطالت التفكير في فتاها الذي لم يكد يُفتدى من الذبح
حتى هرع إليها خاطبا ..
زاهدا في كل أنثى سواها ..
غير ملقٍ أذنية إلى ما سمع من دواعي الإغراء .. !

فبدأت تتأمل ..

هل فكر فيها عبد الله ؟!

هل عانى وهو صامت ينتظر ؟!

ولقد كانت قصة الفداء .. أمرا يهز قلوب أهل مكة ..
تعلقا بالشاب الذي مسّت الشفرة منحره وهو صابر مستسلم لأمر الله ..
راضٍ بقدره ..
حتى إذا لم يبق بينه وبين الموت إلا قيد شعرة ..
أنقذه الله بأغلى فدية عرفها العرب .. !



ولقد أضيئت المشاعل في شتى أرجاء البلد الحرام الآمن ..
وحفلت دار الندوة بوجوه قريش وساداتها ..
وسهرت مسامر البلدة المقدسة .. تسترجع قصة الذبيح الأول .. إسماعيل عليه السلام..
حين مضى به أبوه إبراهيم .. عليه السلام .. لكي يذبحه طاعة وتعبدا ..
فافتداه الله بكبش .. بعد أن كان من الموت قاب قوسين أو أدنى ..

لكن المفتدى هذه المرة .. هو حفيد أصيل من ذرية إسماعيل ..
التي انتشرت في الأرض وتوارثت مجد الجدود ...

واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها ..
كان (عبد الله) اثناءها يقيم مع عروسه في دار أبيها على عادة القوم ..

حتى إذا أشرق اليوم الرابع ..
سبقها إلى داره ليهيئها لاستقبال الوافدة العزيزة ..

وتم زف العروس ...



ولم يكن البيت كبيرا ضخم البناء ..
لكنه إذا قيس ببيوت مكة يومئذ ..
عُدّ رحبا مريحا لعروسين يبدآن حياتهما المشتركة ..

إذ كان كما وصفوه .. ذو درج حجري ..
يوصل إلى باب يفتح من الشمال ..
ويدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو 12 مترا في عرض 6 أمتار ..
وفي جداره الأيمن باب .. يدخل منه إلى قبة ..
وفي وسطها مقصورة من الخشب .. أعدت لتكون مخدع للعروس ..

وترك (عبد الله) عروسه في مخدعها مع رفيقاتها .. من سيدات آل زهرة
ثم خرج إلى رحبة الدار الواسعة .. حيث الضيوف الكرام ..
الذين صحبوا العروس إلى بيتها ..

ومضى القوم .. يباركون العتبة الجديدة التي انتقلت إليها ..
زهرة قريش ..

ويدعون للزوجين الكريمين ..

أعز من عرفت الحجاز .. حسبا ..

وأعرقهم نسبا ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

__________________