العم الرحيم .. ورحلة الشام العجيبة



بعد وفاة (عبد المطلب).. كفل الصبي (محمد).. عمه أبو طالب
فأحبه حبا شديدا
فكان لايفارقه ويخصه بالطعام
حتى إن بنيه أذا أرادوا أن يتغدوا أو يتعشوا ..
قال لهم ..

"كما أنتم حتى يحضر ابني"

وفي احدى المرات ..
أراد (أبا طالب) الخروج في ركبٍ إلى الشام تاجرا ..
فلما تهيأ للرحيل ..
وأجمع السير ..
اعترضه الغلام (محمد) ... آخذا بزمام ناقته .. وهو يقول ..

"يا عم .. إلى من تكلني .. لا أب لي ولا أم؟"

فرقّ له (أبو طالب) .. وقال ..

"والله لأخرجن به معي .. ولايفارقني ولا أفارقه أبدا"

فخرج معه .. فلما نزل الركب (بصرى) من أرض الشام ..
وبها راهب يقال له (بحيرا) في صومعة له ..
وكان أعلم أهل النصرانية ..

فلما نزلوا ذلك العام بـ (بحيرا) ..
وكانوا يمرون به من قبل ذلك .. ولايكلمهم ولا يعرض لهم ..
حتى إذا كان ذلك العام .. نزلوا به قريبا من صومعته ..
في ظل شجرة جالسين ..

فلما رأى ذلك (بحيرا) .. نزل من صومعته ..
وقد أمر بالطعام .. فصُنع ..
ثم أرسل إليهم... فقال ..

"إني قد صنعتُ لكم طعاما يامعشر قريش..
وأنا أحب أن تحضروا كلكم .. صغيركم وكبيركم ..
وحركم وعبدكم .. "

فقال رجل منهم ..

"يا بحيرا .. إن ذلك اليوم لشأنا ..
ما كنت َ تصنع هذا فيما مضى..
وقد كنا نمر بك كثيرا .. فما شأنك اليوم؟"

قال ..

"صدقت .. قد كان ما تقول ..
ولكنكم ضيف .. وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما ..
تأكلون منه كلكم صغيركم وكبيركم"

فاجتمعوا إليه ..
وتخلف الغلام (محمد) من بين القوم .. لحداثة سنه..
وبقي في رحالهم تحت الشجرة ..

فلما نظر (بحيرا) في من أتاه من الضيوف ..
لم ير فيهم الصفة التي يعرفها ويطلبها ..
فقال ..

"يا معشر قريش..
لايتخلف أحد منكم عن طعامي هذا"

قالوا ..

"يا بحيرا .. ما تخلف .. في رحالهم"

قال..

"فلا تفعلوا .. ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم "

فقال رجل من قريش..

"واللات والعزى إن هذا للؤم بنا
يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا!"

ثم قام إليه فاحتضنه..
وأقبل به حتى أجلسه مع القوم ..

فلما رآه (بحيرا).. جعل يلحظه لحظا شديدا ..
وينظر إلى أشياء من جسده ..

حتى إذا فرغ القوم من الطعام .. وتفرقوا ..
قام (بحيرا) فقال له ..

"يا إلام .. أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عنه"

فقال الغلام محمد ..

(لا تسلني باللات والعزى شيئا
فوالله ما أبغضت شيئا قط .. بغضهما)

فقال له بحيرا ..

"فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه"

قال الغلام ...

"سلني عما بدا لك"

فجعل يسأله عن أشياء من حاله ..
ومن نومه ..
ومن هيئته ..
ومن أموره ..

والغلام (محمد) يخبره ... فيوافق ذلك ما عند (بحيرا)..
ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ..
على موضعه ..

فلما فرغ من ذلك ..
أقبل على (أبي طالب) يسأله ..



قال (بحيرا)...

"ما هذا الإلام منك؟"

قال ... ابني ..

قال بحيرا ..

" ما هو بابنك .. وما ينبغي لهذا الإلام أن يكون أبوه حيا"

قال .. فإنه ابن أخي

قال بحيرا ...

"فما فعل أبوه؟"

قال .. مات وأمه حبلى به ..

قال بحيرا ..

"صدقت
ارجع بابن أخيك إلى بلده
واحذر عليه اليهود
فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ماعرفت
ليبغنّه شرا..
فإن كائن لابن أخيك هذا شأن
فاسرع به إلى بلاده"

فخرج بن عمه (أبو طالب) سريعا
حتى أقدمه مكة .. حين فرغ من تجارته بالشام ..

وقيل ...
أن نفرا من يهود أهل الكتاب .. وهم زبيرا وتماما وإدريسا ..
رأوا الغلام (محمد) في رحلته مع عمه (أبو طالب) إلى الشام ..
فأرادوه .. فردهم عنه (بحيرا) .. فتركوه وانصرفوا ..

فقال (أبو طالب) في ذلك الشأن ...

إن ابن آمنة النبي محمدا - عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق لا زمام رحمته - والعيس قد قلصن بالأزواد
فارفض من عيني دمع ذارف - مثل الجمان مفرق الأفراد
راعيتُ فيه قرابة موصولة - وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرته بالسير بين عمومة - بيض الوجوه مصالت أنجاد
ساروا لأبعد طية معلومة - فلقد تباعد طيه المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا - لاقوا على شرك من المرصاد
حِبرا فأخبرهم حديثا صادقا - عنه و رد ّ معاشر الحسّاد
قوما يهودا قد رأى ما قد رأى - ظل الغمام وعز ذي الأكياد
ساروا لقتل محمد فنهاهم - عنه وأجهد أحسن الاجهاد
فثنى زبيرا بحيرا فانثنى - في القوم بعد تجادل وبعاد
ونهى دريسا فانتهى من قوله - حبر يوافق أمره برشاد

وهذه صور من دير الراهب بحيرا .. في محافظة درعا .. في بصرى الشام




وشب الغلام (محمد) .. والله يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعائبها ..
لما يريد به من كرامته ورسالته .. وهو على دين قومه ..
حتى بلغ أن كان رجلا.. أفضل قومه مروءة
وأحسنهم خلقا
وأكرمهم مخالطة
وأحسنهم جوارا
وأصدقهم حديثا
وأعظمهم أمانة
وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال ..

وفي حديث نبوي عن إسحاق بن يسار ..
قال (صلى الله عليه وسلم) وهو يستذكر تلك المرحلة من عمره ..

"إني لمع غلمان هم أسناني .. قد جعلنا أزرنا على أعناقنا
لحجارة ٍ ننقلها نلعب بها ..
إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال .. أشدد عليك إزارك"

وعن عكرمة .. عن ابن عباس قال..

"بنت قريش البيت
فكنتُ أنقل أنا وابن أخي
فكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة
فإذا غشينا الناس ائتزرنا
فبينما أنا أمشي ومحمد قدامي ليس عليه شيء
إذ خر محمد فانبطح
فألقت حجري وجئت أسعى وهو ينظر إلى السماء فوقه ..
فقلت : ما شأنك ؟
فقام فأخذ ازاره ..
فلبثت أكتمها للناس مخافة أن يقولوا مجنون
حتى أظهر الله عز وجل نبوته"

وعن علي بن أبي طالب يقول ..
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ...

"ما هممتُ بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء
إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله عز وجل فيهما..
قلتُ ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا
فقلت لصاحبي: أتبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر فيها..
فقلتُ : ما هذا ؟
فقيل: تزوج فلان فلانة ..
فجلست أنظر
وضرب الله عز وجل على أذني
فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس
فرجعت ُ إلى صاحبي .. فقال : ما فعلت ؟ ...
ثم أخبرته بالذي رأيت..
ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة
فلما جئت مكة .. سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة.....
وضرب الله على أذني ..
فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس
فرجعتُ إلى صاحبي .. فقال : مافعلت ؟
فقلت: لا شيء ..
ثم أخبرته الخبر
فوالله ماهممتُ ولا عدتُ بعدها لشيء من ذلك ..
حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته .."

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم