غصة بمذاق الحزن في ديوان "مساء سيزار" لعلي الحسينان





الشاعر العراقي علي الحسينان في مجموعته الشعرية الجديدة يطرح سؤالاً بطريقة غير مباشرة عن الفرق بين الواقعي وما هو فوق الواقعي أو سريالي . والشاعر يصور العالم بأدوات واقعية لكنه يحوله إلى شبه سريالي تسوده الوحدة وينتشر فيه الفقد والهجران .

الشاعر بارع في التصوير فهو قادر على أن يجعل الصور المأخوذة من محيطه والمكتوبة بأشكال واقعية أيضاً تتحول إلى مجازات ورموز تتجاوز اليومي الحرفي . وهو يرسم “عالماً مهجوراً” أبعدت الحروب عنه صوره السابقة الحية وحولته إلى ما يشبه الصدفة الفارغة .

وحين يتحدث عن الحرب وأدواتها فهو يرسم بأدوات من الواقع عالماً فارغاً أو شبه فارغ من الحياة الحية . إنه لا يتحدث عن الموت والدمار بصورة مباشرة بل يرسم لنا صورة توحي بما يعقبها من الموت والدمار الرهيبين .

وهو في ذلك كله يبدو كأنه يقف في شقاء ويطل على عالمه بحزن مفجع وبارد إلى درجة تجعله يبدو محايداً إزاء كل ذلك مع أنه ممتلئ به حتى الاختناق .

وهو في أحيان أخرى يرسم عالمه النفسي والعالم حوله بحزن وجمال شفيفين من خلال وسائل “تعزية” أو رموز منها صوت كل من فيروز والمغنية الفرنسية الراحلة اديت بياف . قراءة شعره تجعل القارئ يخرج بمتعة تشبه غصة خفيفة من الحزن .

حملت المجموعة عنواناً هو “مساء سيزار”، وجاءت في 112 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف للفنان العراقي صدام الجميلي، وقد صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان .

يقدم علي الحسينان لقصائده بجزء من قصيدة للشاعر اليوناني كفافيس يقول فيها “ستصل على الدوام إلى هذه/ المدينة/ لا تأمل في بقاع أخرى/ ما من سفن من أجلك/ وما من سبيل . ./ وما دمت قد خربت حياتك/ هنا/ فهي خراب أينما كنت” .

في قصيدة “ليل” يعيش حالة ذكريات من الماضي في جو من التعزية إذ يقول “هذا الليل لفيروز/ لاديت بياف/ لشارع النهر ببغداد/ لعطلة شتوية قبل ثلاثين عاماً/ لأول طعم للبيرة .

هذا الليل لصديق ضاع في فرانكفورت/ لزهرة تجف في دفتر/ لامتحان الميكانيكي الكمي/ هذا الليل/ لعازف الليل/ لأحمد الزعتر/ لقصيدة الأعداء . ./ هذا الليل لحارس الفنار/ لقنطرة من الجذع/ لكوكب حمزة . . هذا الليل/ لكمان يبكي في جوف الليل/ يتبعه عود أخن/ هذا الليل لفيروز/ لاديت بياف . ./ هذا الليل لي” .

في قصيدة “مساء سيزار” المليئة بالذكريات والتي أعطت اسمها للمجموعة نقرأ ما يضعنا في أجواء تشبه أجواء انتظار جودو الذي لن يأتي . يقول “في هذا المساء/ تذكرت سيزار فاييخو/ اليوم لم يأت أحد/ ربما لن يأتي أحد غداً/ ولا كل يوم” .