|
|
نموذج يوسف عبدلكي
ليست مفاجأة على من يعرف البيئة الأولى التي انحدر منها الفنان السوري الكبير يوسف عبدلكي، ابن مدينة قامشلي، المدينة التي تعد الأنموذج الفسيفسائي الجميل، حيث يعيش فيها السرياني مع الكردي إلى جانب العربي والأرمني والآشوري والتركماني والشاشاشني، بل تتجاور فيها المعابد المختلفة، لتكون هذه المدينة بيتاً واحداً، يتعايش أهله، متحابين، متآلفين، وإن كان بيت الرجل- في الأصل- هو أحد البيوت المشرعة الأبواب أمام الناس، مادام والده عبد الأحد عبدلكي إلى جانب آخرين، ممن اشتغلوا على بداية تأسيس الحراك الثقافي السياسي الأول في القامشلي، كي يبقى أثر الأسرة باقياً حتى بعد انتقالها إلى عدد من المدن، مادام الأب قد عرف السجن السوري في خمسينات القرن الماضي، ثم يُطْرَد من عمله في مكتبة القصر الجمهوري في أول سبعينات ذلك القرن .
وبدهي، أن ابناً كيوسف يفتح عينيه في أسرة ذات موقف، لن يتخلى عن موقفه، أنى حطت به الرحال، سواء في دمشق التي سيلتقي فيها بشار العيسى، وعمر حمدي، وآخرين من مكانه الأول، من كبار الفنانين العالميين، اليوم، كي يدفع هو ضريبته سجناً لمدة عامين، في أواخر السبعينات بعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة، كي ييمم وجهه شطر باريس، يتابع فيها دراسته العليا، ولتواصل لوحاته، ورسومه الكاريكاتيرية أداء الخطاب الفني الذي اختطه لنفسه، مبدعاً كبيراً ذا موقف .
وبدهي، أن يوسف الذي ترك وراءه ربع قرن في فرنسا، حطت به الرحال ثانية في دمشق، حيث العنوان الأخير لأمه وشقيقه الفنان فواز وأبيه، وذلك في عام ،2005 وسط أسئلة كثيرة ممن يحبونه عن كيفية تنفس ألوانه وهي في ذلك المناخ المشبع بالكربون .
إنها ثقافة انقلاب المفاهيم التي لايرضى بها المبدع الشريف، وإن كان مصير كل من تأخذ لاؤه الرافضة بعدها مواجهته بشرور ثقافة المحو والإبادة، وقد شهد المكان ذاته كسر أصابع فنان مثله، يشاطره في رسم الكاريكاتير، بيد أن ما حدث لزميله وسواه، من أصحاب الموقف الذين لم يتم التعامل معهم على أنهم أصحاب رأي، لابد من الاستماع إليهم، بل على أنهم أعداء حقيقيون، لذلك فقد كان نصيب هؤلاء المطاردة، والسجن، والإعدام الميداني، فيما لو نجوا من رحمة الحقد المخزّن في البراميل، وهو يمحو ملامح المدن، واحدة تلو أخرى، في الوقت الذي يمضي المبدع: بريشته أو قلمه، عكس ذلك، من خلال تركيزه على ضخ الحياة بالأمل، والجمال، ورسم الأفق، نحو الناس، في الوقت الذي يريدون أن يقولوا لهم، لاخيار عن القتل، سوى بالصمت، والرضوخ، وهو ما يرفضه من هو من أنموذج فكر يوسف عبدلكي، مادام أنه وبعد مرور عامين ونيف، يرفع صوته مع المتنادين بإعادة الألق إلى قاسيون وبردى، وهما يريان كيف أن الخيارات تتقلص، لاسيما عندما يؤسس القاتل لصورة بديل آخر، مشوه، هو نفسه، في ثوب “جهلة النصر” وهم يقطعون رأس أبي العلاء المعري، وكل ما هو جميل، في بلد جميل، يريدان أن يقوداه إلى النهاية التي لن تتحقق لهما .