-
24 - 12 - 2013, 02:25 PM
#6
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 0
رد: جديد ( رواية امرأة استثنائية ) للآديب الاماراتي علي ابو الريش
الخوف.. نيران، لم تزل تخالجك وتسكن بهالتها على السرير، تقترب منك، تهدهدك، وتشاغبك، وتقاضيك على مشاعرك وأنت تتسلح بضراعة الضعيف، ثم تؤنب نفسك لماذا لم أفعل كذا، ولماذا لم أقل كذا، ولماذا تركتها تهرب من بين يدي، وتذوب في الخلاء، كالوهم.. لم تكن خيالاً جامحاً، بل كنت واقفاً، وكانت تؤدي مقدمات بديهية، للتطهر من رذيلة الشهوات المكبوتة، لكنك خذلتها عندما أمعنت في ليّ الحقيقة وطمس ما كان يغلي في جوفك الملوث.. أنت يا فيروز كنت في جحيم صراعك، كمن حوصر بين طيات حريق، كنت تريد ولا تريد، لذلك أفلتت منك، هربت وتركتك عارياً، تسح بعرق الندم، أو نزيف الأسى يغرق كيانك، تريد الآن أن تنام، تريد أن تغسل عارك بالندم، وإخفاء البثور التي طفت على جلدك، بهذا الشرشف القطني. فهل وطأك حقيقة ذاك الوغد؟ أم أنك تخيلت متوجساً، واعتنقت الفكرة، لمجرد أنك مارست رغبة اللاشعور، لتلبي نداء الطفولة، الذي زرعته أمك في قلبك..
تثاءبت الأرض، وقطعت الأشجار أغصانها، ومدت الأعشاب لسانها، تلحس ندى الصباحات المنبعثة عن فضاء نبيل.. عودة على بدء، جئت هنا في نفس المكان، تبحث عن نفسك، عن شهقة ضائعة، وعن نبضة هفهفت في الصور، جئت تدفعك قوى خفية، لئلا، يتكاسل الوعد، وتذوب التي تعلقت بها إلى الأبد.. الأبد هذا الامتداد اللانهائي، هذا الحلم الذي لا تنفك حلقاته من سرد الحكايات الأولى لتتلوها بأخرى.. وقفت عند ربوة، كأنك المؤذن في منارة التصريح الأخير، وقفت تستجدي الوجود ليحكم قبضته على غيمته، ويستدرج المطر، وشيء ما يغلي، شيء ما تدور رحاه، وتطحن نفايات، وقشور أزمنة، حرضتك كثيراً ثم تخلت عن مد الخطى نحوك.. المكان في الصباح يبدو خالياً من دخان السيارات، خاوياً من القحاف البيض، ولا يعالج مكر الطبيعة غير الضوء والرائحة.. ضوء السماء المزخرفة بزمرد السحابات البيضاء، ورائحة الأرض، بعد النوم، تبدو الأغشية الترابية كنسيج جلد امرأة، راعفة بغفوة ما قبل الصحو، الأرض تسترخي بسكينة وتنتهي إلى فراغاتها لتبلع أسمى آيات الخلود.. لو حدثت أحد أصدقائك القدماء عن المرأة التي رأيتها واختفت فجأة، سيقول لك، هذه القديسة أم داس، أو كما يحكى عنها أم الدويس، وسوف يحذرك من التعاطي معها، لأنها جنية خطيرة، تستدرج الرجال إلى مخادعها، ثم بعد أن تمضي أرواحهم، تقطعهم أشلاء، وترميهم في الصحراء لتنهش جثثهم الكلاب، وربما تعاطف معك أحدهم، وقال إنها من عطاءات السماء عندما ترضى عن مخلوقاتها.. تبهت أنت، وتغضن حاجبيك، مستعيناً بالصبر، ولكن قلبك يحدثك أن ما رأيته لم يكن إلا امرأة إنسية، بدمها ولحمها وشحمها.. تحاول أن تتمالك نفسك، وتقبض على تاريخك الطويل، في تلاوة علوم علم النفس، وترفض أن تخنع لما تتداوله الألسن عن القديسة أم داس، وعن حكاياتها مع البشر، ترفض ذلك. لأنك لا تؤمن بالخرافة، ولأنك أيضاً لا تريد أن تكون نيران غير نيران التي رأيتها وتفرست في وجهها، وقرأت تفاصيل جسدها.. قلت في نفسك لماذا يتعمد الأوغاد إفساد جمال الطبيعة، وتخريب المشاعر واغتصاب الفرحة، والاعتقاد دوماً باللاماورائية التي لا معنى لها غير أنها تشيع الفرح لكونها أشياء لا ترى بالعين المجردة.. انغمست في التفكير، فكرت ملياً، تمعنت في العراء الذاهب بعيداً في البصر والبصيرة، اقتعدت حجراً بجوار شجرة وارفة، تأملت النمل الأبيض، الراكض بسرعة فائقة، المنتظم في صفوف متراصة، وكأنه في طابور مدرسي مهذب، تحاشيت قرصه، فرفعت قندورتك إلى ركبتيك وحرصت على ألا تقع قدمك فريسة لأضراس هذه الكائنات، والحادة، والشرسة، ملأت عينيك بمناظر الصحراء، وبالأشجار التي صمدت منذ مئات السنين ولم تبلَ، ولم تكل عن منح الأرض ظلها، تفانٍ منقطع النظير لا مثيل له، عناق أزلي بين الشجرة والأرض، ولم تأخذ الشجرة من الأرض ما أخذه الإنسان، لكنه الجحود الذي سرعان ما يخون ويخذل، ويرتكب الرذيلة، ضد ترابه الذي منه جسده.. يا رب السماء أحقيقة أن جسد نيران من تراب الأرض؟! أيعقل أن تكون نيران خلقت من هذه السبخة والغبار؟! شيء ما في جسدها يؤكد أنها أنثى من معدن نفيس، وأن نهديها المنتصبين، المكورين على الخلود ما هما إلا نجمتان تلاقتا ليلاً، ففاجأهما، الفجر، فلم تصحوان فاستقرتا على صدر هذه الأنثى.
تقول إنها حكاية قديمة، تقول إن صاحبك، الذي أخبرك عنها، كان على يقين مما سرده، وحكاه بالتفصيل.. أم داس القديسة، أو القديسة أم داس، عربدت كثيراً في هذه البلاد، واختطفت أجمل الفتيان، بالفعل قال لك إن هذه الجنية كانت تنتقي الشباب ذوي الطلعة البهية، والقوة اليافعة، والصدور الناهضة بعضلات منتفخة في مقدمة البدن. لكنك أنت رجل ضامر، صحيح أنك مازلت بعافيتك، ورونق هيئتك، لكنك لا تملك المحسنات البديعية التي تشتهيها أم داس، فلماذا إذاً تتوجس، ففي هذه البلاد الكثير من الخزعبلات، والخرافات، والأساطير التي لا تمت بصلة إلى الواقع.. وأنت تدعي أنك عالم ضليع في التحليل النفسي، فلماذا تذعن للخرافة؟ ولماذا تمنحها الفرصة كي تستولي على مشاعرك، وأنت الذي قطعت عهداً على نفسك بأن تقطع الصلة بالخرافة والمخرفين، وتنزوي بعيداً، تبحث عن نفسك في هذا المتسع النضر، وفي خضم الصحراء النبيلة، أنت بالفعل عشقت نيران، اندفعت إليها بقوة، تلبست بها، لكنك لا تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك بكثير، لأن الكثير من الولوج سوف يكلفك ثمناً باهظاً وقد تخسر نفسك.. كانت على يقين من أن قدراتك لا تحملك على تنفيذ خطط تريد أن تثب فيها حالاً، أنت مازلت تواجه جداراً سميكاً يقف دون تحقيق ما تريد، عليك أن تتريث وأن تصمد، وأن تتحدى نفسك أولاً، فهل تستطيع؟ لا أعتقد الآن وربما في المستقبل المنظور أو البعيد..
أمام هذه الأنثيالات تتجلد، تواجه انكسارك بشيء من الصبر، لا بد أنك شعرت بأن نيران لمست موضع الجرح، والذي فعلها هو ذاك الجندي الأهوج وليس أمك.. الجندي الذي تجلى كالوهم، وربما هو الوهم ذاته، حين اغتصب اليقين وراح يضحك ساخراً من جبنك.. أنت الآن فعلاً تخوض حرباً شرسة بين الشهوة والروح، الشهوة العارمة، المنتفخة، المحتقنة، والروح المهيمنة، المتخشبة، أنت فعلاً تريد أن تطور نفسك، لتخرج من شرنقة الاضطهاد الداخلي، تريد أن تطير في الفضاء كالفراشة، تريد أن تسبح في العراء كما الحلم، تريد أن تتحرر، ولكن الخطأ الذريع الذي ارتكبته هو عندما زاوجت بين الخرافة والعلم، وبين الحلم واليقين، وبين التاريخ والزمن.. التاريخ نحن الذين نكتبه وكثير مما كتبناه زائف وخرافي، وأحياناً متعالٍ، وكاذب. أما الزمن، فهو الحقيقة التي تقطن داخلنا، فيا ترى ماذا يحصل في العالم عندما تتساوى الكذبة بالحقيقة، فلا بد أن تنتكس الحياة، ولا بد أن تتهيأ السماء، لالتقاط بقايا ما طرأ من صراع.. أنت تتصور أن المرأة جنس مغاير لجنس الرجل، وهذه مفاهيم قديمة أنت تجترها الآن، وبعد اجترارها، كونت معرفتك الخاصة، التي تخاصمت فعلاً مع معرفتك العلمية التي نهلتها من الكتب..
الآن أنت تستمع إلى همس الوريقات الرهيفة، وتنظر إلى الخلاء، هو في الحقيقة لا يبدو خلاء بحت، بل إن مضارب الزائرين تملأ المكان، رجالاً ونساء، وصبية، يغطون في الأمكنة المتفرقة، ويستيقظون متأخرين ليباشروا نشاطهم المسائي، وبالأخص الشبان والفتيات، عالم هؤلاء عالم الأحلام، وفي المساء، وبعد العتمة، تتهيأ الصور الخيالية للرسو عند الجفون، وينتشي الحالمون، ينتشون ويفتشون، عن مراسم لتخليد هذه الذاكرة، الحية، والمستقرة.. وأنت بعد أربعين عاماً تعلمت الكثير، وجلت في الكثير من البلدان، وتعرفت إلى نساء، ولكنك لا تذكر أبداً أنك مارست الحب مع واحدة منهن. ولا تعتقد ذلك تعففاً، ولكن يبقى السؤال لديك مطروحاً، ومفتوحاً على آخره.. تريد أن تتحرر من هذا الوهم الخرافي أنت تعرف أن كل ردود أفعالك ضد المرأة مجرد أوهام، لكن الأوهام، كيف يتم طردها، كيف تستطيع أن تهزمها، وأنت مازلت تبحث عن المجهول.. ما المجهول؟ أتعرف ما هو الشيء الذي تريد أن تصل إليه؟.. بالتأكيد لا تعرف، ولذلك سيظل ترحالك طويلاً، والبلاد التي سوف تمضي نحوها سوف تقربك، أو تقصيك، لكنك سوف تمضي بإيمان راسخ أن الحقيقة التي تبحث عنها ليست عندما تنظر إلى البيوت المتنافرة، بعضها شبه أعشاش، أصحابها شيدوها لمجرد الاستيلاء على بقعة الأرض، وبعضهم اعتنوا بها، فتميزت بأناقة أصحابها، ولباقة العاشقين للصحراء، فتجد بعض الأفنية محاطة بالأشجار، مزخرفة بأرصفة محسومة بحجر السيراميك، أو أصلاب الحديد، وترى أيضاً التنانير، بعضهم يعشق شي سمك القابط، وتقشير جلده، بأناة وتؤدة، ويتلذذ بلحمه الأبيض الهش، والأشبه بالقشدة الطازجة، تنظر إلى حولك، تجد عربات رباعية الدفع بدأت تهرب، وتشيع الضجيج، وتأملاتك لا تنتهي، وأنت تتلفت يمنة ويسرة، فقد تبزغ نيران، قد تهبط فجأة، كالحمام البري، لتلتقط من حبات القلب نزقاً، معرفياً وعرفانياً، يحيق بك وبها.. لا.. لا أنت لا تريد أن تمسها بلهفة ولا نبضة، تريدها فقط أن تتأمل الوجه الحسن تريد أن تتمعن في تضاريس الجسد، وتسجل ملاحظاتك عن التغير الذي طرأ على الناس، وكذلك المكان.. الناس هم الذين غيروا المكان بعد أن تغيروا.. واستبدلوا أشياءهم الصغيرة بأشياء أخرى، كبرت الأشياء كما كبرت الحاجات، وتعقدت أيضاً..
في البدء عندما تأملت وجه المرأة، وأمعنت في النظر إلى حركات يدها، وتوتر أصابعها، حسبت أنها يائسة، وبالفعل تضامنت معها، فكرت أن تقترب منها بفضول ذكوري، لمحت في عينيها بريقاً أنثوياً غائراً، لمحت حكايات قديمة مطموسة تحت الجفنين، لكن جفنيها في الحقيقة لم يكونا ذابلين، ويبدو أن الجمال الرائع الذي تمتعت به أخفى كثيراً من يأسها، معظم الفتيات في هذه البلاد يائسات قانطات، مفعمات بخيالات مزدهرة بأحلام مبتورة.. الآن انقلبت الحال، فبعد أن كانت الفتاة تتزوج في سن الرابعة عشرة، وقبل ذلك، صار الزواج محنة، عناء بالنسبة إلى الفتاة، الواحدة منهن لا تحظى بشريك الحياة إلا بشق الأنفس، وإن عثرت عليه فإنه يأتي متأخراً بعد أن يذبل الجسد أو يشارف على الخمود، ولكن التي رأيتها لم تتجاوز سن الثامنة عشرة أو نيفاً، ولكن هذا لا يبرر أبداً زوال القلق، القلق رفيق كل فتاة عندما تبدأ في نزف الدورة الشهرية، وتتوافد الأحلام، تقطرها بسيل من المشاهد الليلية المبهجة أحياناً، والمبتسرة أحياناً أخرى، المهم في الأمر أن الفتيات يعانين كثيراً، ويخسرن الكثير من وهج الشباب إثر التفكير العميق، في شريك الحياة، الذي لا يأتي في أغلب الأحوال. لست وحدك الذي يصاب في أغلب الأوقات بالحسرة، ولست وحدك الذي يمارس جلد الذات ليل نهار، فالبلاد التي نشأ أهلها على الأحلام المبتورة لا بد أن يواجه أجيالها المتعاقبة مثل هذه المشاعر المكسورة، تسقط الأشياء الجميلة بين أيدي الأجيال كون المجتمع يمضي بقفزات متلاحقة، ويحقق بعض النجاحات وكثيراً من الإخفاقات، إخفاقات تحفر الفجوات بين المراحل، وإلا لماذا يهرب الناس من جديد إلى الصحراء، لماذا يستعيدون الماضي بين أفنية بدائية، يفترشون التراب، ويلتحفون السماء، ويتحملون لدغ العقارب، ولسع الرطوبة الخانقة، وشم الأرض اليباب، لا توجد هنا أنهار محفوفة بالبساتين، ولا توجد هنا غابات، وأحراش، كل ما هناك بطحاء رملية قاسية، ترقد منذ أزمنة تاريخية بعيدة، وإلى حتى الآن، لم ينبت شعر شبابها، أو يستقيظ فحل يفوعها.. تتذكر أنت الفتاة اليافعة وتلهج بالأسى، كونك لم تقترب أكثر من نيرانها، فقط أنت حسدتها على رونق الجسد، ولم تتقصّ ما يجيش في الداخل.. هالك جداً ذاك الجسد البض، ونعومة الأصابع التي لوحت بها كأعواد اللوز النبيلة. ورحت تتأسف على زمانك الذي لم تقطف من أغصانه غير الشوك.. فهب أنك حظيت بامرأة طيعة لينة، وقالت لك في لحظة غيبوبة، هيت لك نفسي، فهل ستفعل كما تصير الضواري إلى الفرائس، أم أنك ستتريث، وتتأمل أولاً ثم تتلو التفاصيل، وتضع أصبعك على أعلى جبل في بستانها المزدهر، ثم تقول لها، أريد أن نتجانس معاً.. ثم تمارس الحب.. وأنت تعلم أنك لن تفعل شيئاً، أنت سوف تغوص في الغيهب، وتبحث عن نفسك وحتى تصحو ستكون الأنثى التي بجوارك قد انتزعت نزعاً وغادرتك إلى الأبد.. تتأوه الآن، تقبض على قلبك، تعصر عضلة الصدر بعنف، وتنظر إلى الخلاء، وتقول في نفسك، من هناك جاءت، ثم حلت زائراً خفيفاً، تطل، ثم ذهبت، لا تتصور أنها ستعود، لأنك خذلتها، لأنك أطلت كثيراً في السرد، وتركتها تقضم أظافرها تلفاً، ثم تزم شفتيها، مجلودة بفورة الدماء الحارة.. أنت تفكر كثيراً، وتفسر وتؤول، وحتى تستقصي الحقيقة، تكون أنت قد ضعت في التفاصيل.. ألم تسمع قصة العاقل والمجنون؟.. المجنون تزوج وأنجب الأطفال، بينما لبث العاقل يفكر ويدبر، حتى فوات الأوان، ولم ينجز أي شيء.. قد تضحك أنت من هذه الحكاية، وتسخر، لكنك لا بد أن تفهم أنك بمحض إرادتك تخسر نفسك..
تشعر الآن بعهد المكان، تتوقف عن العويل، تتوقف عن جلد الذات، وتنتصب، تود أن تغادر المكان إلى غير رجعة، فما بالك تفكر في أوهام، ربما كانت تلك الفتاة مجرد وهم، ربما كانت كائناً من كائنات الفضاء، فلا تدعي أنك تعلم بواطن الأمور، وتغادر، تدع الصحراء وحدها تلملم شتاتها، وتسقي أشجارها من عرق العراء المبلل، تذهب عند طرف الشارع تنتظر حافلة تقلك إلى أي مكان، لا تلوي الآن إلى أي جهة، المهم أن تهرع بعيداً عن الصحراء، وتتحرر من تصوراتك، البوهيمية.. أنت بالفعل بوهيمي التطلع، وتحتاج إلى زمن كي تستعيد نفسك وتصل إلى درجة التباين ما بينك والأشياء غير العاقلة.. أحياناً تشعر بأنك تهيم في فضاء خارجي، وأحياناً تحس بأن كل ما تفعله مجرد هراء، لا داعي للتمادي في فعله، وأحياناً أيضاً تمارس ضد نفسك الاضهاد وتغلب عليك الرغبة في جلد الذات، وكل هذه أفعال تعطل كثيراً من تحقيق أهدافك.. حتى اسمك، لا تريد أن تبوح به، ولا أن تجاهر به، فتستحي أن يسمعه غيرك، وكيف يمكن لإنسان أن يعرف نفسه ويدون اسمه، أليست هذه مهزلة، أنت تمارسها ضد نفسك عندما تشمئز من سماع كلمة فيروز، وتقول إن هذه الأسماء تطلق على أشباه البشر.. أليست هذه مفاهيم متعجرفة وبائسة تستحق البصق، وصفع أصحابها؟ عندما لا تتأنى في تفسير ما يلقى عليك من مفاهيم تصبح كالطفل الشرير الذي يريد الأشياء جاهزة، وطيعة ومتاحة دوماً..
قلت إنها ليست عاهرة.. بالطبع هي ليست كذلك. ولكنها كانت راغبة بحزم وصرامة، الرغبة في ممارسة الحب، هي طهر، يتحلل الجسد في بث الرغبة بطلاقة من عفن الاحتقانات، وتنتعش الروح من كبوتات خانقة.. لا شك في أن الإنسان لا يحقق وجوده إلا من خلال تلك الممارسة النبيلة، بين رجل شبق وامرأة متشهية إلى حد الغيبوبة، غيبوبة النهايات القصوى، ذروة الارتعاشة الفانية.. عندما يفنى جسدان في مسيرات الشهوة العارمة، السماء تبتهل في عرفانية غامضة، وكذلك الأرض تنشأ ضارعة لهذا الولوج الأسطوري.. كانت يافعة إلى حد النضج الملتهب، وكنت أنت تتحرى التفاصيل في نشوة بالغة الخصوبة. للمرأة عينان، عين ترى فيها نفسها وأخرى ترى فيها الآخر.. بينما الرجل له عين واحدة، لا يرى فيها إلا نفسه.. كانت نيران ملهوفة، مندفعة متدفقة، وكان تحت كل ذلك حذر شديد يحرس مشاعرها المتفاقمة هلعاً، وكنت أنت بلا حراس يحفظون توهجك العاطفي، لذا أسفت كثيراً عندما لملمت عباءتها هاربة من المكان، كان يتبعها توجسها وعيناك الشاخصتان، في الفرار الرهيب، شعرت أنت بالخذلان، لعنت الشيطان الذي حال بينك وبين تنفيذ الرغبة الجامحة، لعنت الناس، لعنت الوجود، لم ترَ في تلك اللحظة غير نفسك، ولم ترغب إلا في إرضاء هذا المتضور تحت جلد الجسد، امتعضت كثيراً، وأيقنت أن ما جعلك تمقت الآخرين، وتكره التواصل هو هذا الجرح الغائر، النازف حثالات وغروراً، ولاءات لا تعد ولا تحصى، أنت تفكر في عصر بوهيمي، يفتح لك نوافذ الرغبة بلا امتناع أو امتقاع، والآخرون كذلك كل واحد يريد أن يعيش هذه الحالة، ولكن لكل واحد فريضته التي يؤديها، ولجامه الذي يضعه في عنق الرغبة، أنت فقط الذي لا تطيق أربطة العنق لأنها تضايقك، تلجمك، تحبطك، تقيد نزواتك.. نيران لم تكن معتصمة بحبل الله كما تصورت، لكنها المسكينة مرتبطة بعقد اجتماعي متين، لا يلين، ومحاصرة بحزمة من القيم التي تجعلها قديسة، تكره ممارسة الحب، إلا بالطرق التي تتم فيها عبر رجل اللحية الكثة وشهود العيان.. في لحظة سانحة توحدتما ولكن، فجأة انبلجت سهام القيم متحدية ما كان يجوس في صدر الأنثى، ففرت، طالبة حبل النجاة.. عندما نظرت إلى ساعة المعصم وقالت لقد تأخرت، تأكد أنها لم تكن ترقب الوقت بقدر ما كانت تتهجى تفاصيل الزمن، وما خطه على جبينها من تعاليم وتلاوات وحروز مبهمة ومحكمة.. عليك أن تفسر ذلك، وأنت عالم النفس الجهبذ، وأن تتقصى حقيقة ما فعلته الآنسة المجلودة بسياط الشيطان الرجيم.. تفكر في نفسك، تتحسر على حظك، تلعن الهروب المزري، وتكيل السباب لمن خض قلب نيران بالخوف، ثم تتوقف دون تحليل دقيق لما يجري، في باطن الأمور..
تشعر بفراغ يطوق عنقك، تريد أن تفك عقال البؤس، تريد أن تلجأ إلى أقرب صديق، يرفع عن كاهلك كل هذا الاحتقان، تتذكر صديقاً قديماً كانت لك معه صولات وجولات وحكايات وقصص إنسانية جمعت بينكما.. تريد أن تطير إلى مكانه في صحراء مجاورة، في مهجع قريب.. تتذكر هذا الصديق.. تراهن على صداقته، وقدراته الفائقة في حل مثل هذه العقد الشائكة.. صحيح أنك عالم نفس وقد تكون تشربت بالفلسفة ما يجعلك أشبه بالناسك، لكنك لا تفهم كثيراً في نفوس النساء.. النساء، كما قال لك هذا الصديق في ذات يوم: «الخيل تريد خيال والمرأة تريد ريال»، فلا يطأ المرأة كل من هب ودب، ولا يروض لجامها إلا رجل يعرف كيف يضع إصبعه على مكان الضعف الذي يجعل المرأة الجامحة تنيخ ركابها، وتذعن للراغب في ولوجها..
في مزرعته في الدقداقة، التي يرتادها منذ عقود من الزمن بعد أن هجر الناس جميعاً، فكرت مداهمته.. أبو سيف هكذا أطلق على نفسه هذه الكنية رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب قط، فهو أيضاً يكره الزواج، ويعتبره شيئاً من الجنون أن يحاصر الرجل بذراعي امرأة واحدة، لا ينفكان عن عنقه إلا بموت أحدهما.. وهو كان يقول إنه لا يجب أن يموت، بل يعشق الحياة كما يعشق الحرية.. اتهموه بالمجون والزندقة والهرطقة، لكنه لم يهضْ جناح الذل للألسن الطويلة، كان يعتبر ذلك ضرباً من ضروب الجهل..
لم تكن زرت المزرعة، منذ زمن، وتكاد تنسى معالمها، لكنك أصررت على المغامرة، واندفعت باحثاً عن مكانها، كاندفاعك في البحث عن أبي سيف.. مشيت على قدميك، بعد أن انطلقت من الحافلة التي أقلتك حتى الشارع العام، بالقرب من المحلات التجارية، نزلت في الوهاد القاحلة، المحاطة بالمروج، وبساتين النخل، والبقاع الزراعية المفروشة بأعشاب البرسيم، وكذلك الغليون.. تتلفت يمنة ويسرة، فأخذت جادات الوعورة في التيه البغيض، الوقت الذي بدأ يغمض عينيه، ويسترخي تحت غشاء شفيف من الظلمة، والتي بدأت تزحف شيئاً فشيئاً، وأنت في عجلة من أمرك، خشية من أن الظلام يخفي ما حفظته من معالم قديمة عن المزرعة، قابلك ضوء خافت، أطل من بعيد، ويبدو أن قرص النيون المضاء غير مثبت في جدار، فبدا متمايلاً، راقصاً، كشيخ عجوز يتهاوى في قعر وادٍ، أبديت استعداداً على مواصلة الطريق، مهما بلغ الأمر من صعوبة، فلا مجال للتراجع الآن، بعدما قطعت مسافة لا بأس بها.. مررت على البوابة المضاءة، نظرت إلى السواد الداخلي داخل الحزام الحديدي، قلت ليست هذه مزرعة أبي سيف، فهو لم يحط مزرعته بالأسلاك، بل تركها مسيجة بجدار طيني خفيض، وكان يقول إن للطين مزاجاً يأتلف مع مزاج من يريد أن يتفقه في علوم الطبيعة.. إذا تابعت الطريق شعرت بترهل ركبتيك، وتصبب العرق من جسدك، تحاول أن تخفض من لوعتك بالغناء، وتتذكر كلام أبي سيف عن صوتك الجميل الذي كان يطربه، وكان ينقر طبل الصفيح بضربات خفيفة منسجماً مع ترنيماتك الشجية.. تعرج في اتجاه آخر، تبدو لك مزرعة قريبة، غير مضاءة، وما تراه مجرد مساحة واسعة تبرز من جوانبها أشجار عالية، مضيت وأنت تلهث، توقف غناؤك، وأنت تقول يبدو أنها هي.. هذه مزرعة أبي سيف، وانفراج أساريرك ذوب التعب، ونشف العرق قليلاً، لامست جبينك نسمة ناعمة، داعبت روحك، اقتربت من المكان، قلت مبتهجاً، أجل هذه هي إن لم تخني الذاكرة، الجدار الطيني الخفيض يحيط بأشجار النخيل، وكذلك تلك السدرة الوحيدة التي يتباهى بنبقها أبو سيف، كان يقول عنها: إنها سدرة أسطورية، فهي تثمر شتاءً وصيفاً، ولا يمخر عظم ثمارها أبداً.. وقفت أمام الباب، المحكم بالرتاج الحديدي، صرخت بصوت وئيد، وأنت تتلفت خلفك، كان صدى صوتك يذوب في العراء، حاولت أن تقترب من ثقب في الباب الخشبي، لا توجد إضاءة، الغرفة الوحيدة، المحروسة بالأشجار الكثيفة، لا تكشف عن سيئات هذا الماجن، يبدو أنه يغط في أحلام يقظته، يبدو أنه غادر المكان إلى مكان آخر، ولكن أنت متأكد أن هذه المزرعة هي لصديقك أبي سيف، وهو لا يبدو أنه ينتقل إلى مكان آخر بعد حلول الظلام.. ما العمل إذاً.. هل ترفس الباب المتهاوي، وتلج المزرعة دون إذن مسبق، فقد يفاجئك بضربة على رأسك وينهي كل هذه المشقة، ففي مثل هذا المكان، وفي هذا الوقت بالذات الناس متوجسون، وأنت تعرف أبا سيف، يكاد يشك حتى في نفسه في مثل هذه الظروف.. تصرخ مرة ثانية.. أنا فيروز، فيروز أنا، جئت لزيارتك يا صديقي.. إن كنت هنا أجبني.. شعرت بأنك وكأنك من رجال خفر السواحل، أو حراس الشرطة..
يجيبك.. من على الباب، تفضل.. تفضل.. ولا يبدو أنه سمع اسمك عندما صرخت وقلت أنا فيروز..
رجل بثياب مهدلة، سروال فضفاض، وقميص التصق على صدره مبلل بالعرق، جاءك لاهثاً..
ولجت.. وقلبك يهتف مستريحاً، حيث أيقنت أنك حققت المراد، شعرت وكأنك نزلت من علو شاهق، بواسطة حبل مهترئ، وتلقفتك أرض ترابية لينة ولم يصبك أذى، استقبلك استقبال الأبطال.. قال في لهجة فرحة.. لله درك كيف عرفت المكان بعد هذه العقود الزمنية البعيدة، لم يخطر ببالي أنك تتذكر صديقك وتزوره في هذه العتمة البغيضة.. صحيح أنها ليلة مباركة.. كنت باهتاً، لا تنبس بكلمة، وكنت متعباً، تريد أن ينقذك كأس ماء، يلطف مزاجك، كنت تريده أن يدعك تستريح، ولا يباغتك بالأسئلة، لأنك كنت على يقين من أن الليل طويل، ومجال الأسئلة يأتي لاحقاً.. اتكأت على المسند القطني، ونظرك جامداً باتجاه السقف المسقوف بالجريد، وجذوع النخل.. قلت له: اسعفني بالماء..
تتناول الكأس، دلقت ما في جوفه دفعة واحدة، وأخذت نفساً، قلت معاتباً: كيف تسنى لك أن تسكن في هذه البقعة النائية كل هذه المدة الطويلة.. ألا تخشى من الوحدة..
قال لك مبتسماً: ومن قال إني وحيد..
فهمت المغزى، تمتمت قائلاً: صعلوك، ولا تتهاون في مجونك..
يقول: إنه ألذ ما تستمتع به النفس..
تقول: الشيب غزا رأسك، ولم تهمد..
يضحك.. الذين همدوا ماتوا يا عزيزي..
ولكن لا بد من الاستعانة بالورع قليلاً، إنه يمنع من الزلل..
يغضن حاجبيه قائلاً: ألم تكف عن مواعظك السخيفة.. ثم ينهض..
سأصنع لك شاياً يعدل مزاجك، لعلك تهتدي..
تبتسم.. لن ترتدع عن مهازلك..
ثم وهو يعطيك ظهره، ألم تقتنع بعد أن الحياة مهزلة.. ماذا جنيت أنت من تحليلاتك المملة غير التعاسة..
ومن قال لك إنني تعيس..
يقول: سيماهم في وجوههم..
تتنهد.. لا تستطيع مقاومة بلاغته.. فسخريته جاءت من قدرته على منح الحياة فلسفة مغايرة لما اعتاده الآخرون..
تأخذ كأسك.. تتجرع الرشفات الساخنة، ويمخر الدخان فتحتي أنفك، تنتعش ذاكرتك برائحة الشاي..
أبو سيف.. كيف خطر على بالك زيارتي..؟
خفضت رأسك، ولم تسعفك العبارة غير أنك تقول.. اشتقت إليك، وساقتني قدماي إلى مكانك، وصدقني إنني لم أكن متأكداً من أنني سأستدل إلى مكانك. يشيعه بنظرة حالمة.. القلوب يا سيدي.. القلوب عند بعضها، وأنت أصيل.. ثم يعتدل في جلسته، مستدرجاً مشاعرك.. قل لي كيف كنت تقضي أوقاتك كل هذه المدة.. أليس لك أصدقاء؟
تقول له بامتعاض: لا أصدقاء لي، متململاً.. الحياة باتت باهتة وبلا لون.
أبو سيف: الآن عرفت.. منذ أن شحنت الأرض بالبشر وهي مكتئبة، ولو كان في إمكانها لابتلعت كل من عليها.
تأوهت أنت، أحسست بأنه وضع يده على الجرح.. قلت له: زدني من شايك، إنه لذيذ..
يملأ كأساً آخر، وتتلقفه بيد مرتشعة.. شكراً.
في الصباح نثرت السماء رذاذها الفضي على وريقات الشجر، فاستراح الندى قطرات تلمع على سطح الخضرة، حيث الشمس هيأت خيوطها الذهبية، متوزعة بأناة على ألسنة العشب الناعمة، تصديت أنت للشروق بقلب حالم، يستعيد أزمنة قديمة، تطورت وجداً كونياً بين الجذوع السامقة، والأغصان المنحدرة من علو الفضاء، أخذت مكاناً من زاوية الكون، ورحت توزع نظراتك بين المروج، وأصداء الصباح تحثك على جلب الذاكرة، وحلب شلالها المختلط بالمشاهد الراهنة.. جسدت جل أحلامك في المكان النائم على خضم من الزخرفة الطبيعية، وحشدت الفكرة تلو الفكرة مقتنعاً، أن أبا سيف، رفيق العمر القديم، استطاع أن ينشق عن جموع الناس، ليبقى شاهداً على بلد يتطور في أشكاله المادية، ثم ينزوي بميراثه القيمي، مترافعاً أمام قضاة الزمن، عن قضية لا يمكن الإفلات من أنيابها الحادة، كونها قضية الوجدان واللاشعور الجمعي، الذي لا ترحم حصاه، أي آله بشرية مهما امتلكت من مقومات التغيير، أنت وحدك الآن تضع أبا سيف في مقلة العين، وتمسك على تمرده بالنواجذ، تعلم أن كليكما استتب أمرة على أن ما يجيش في خلايا المجتمع هو شيء من الخرافة، هو جزء من اعتلال البنية، لكنك لم تجرؤ على سلك الطريق الذي نهجه أبو سيف. فالرجل أغمض البصر عن الكلام المباح، وشد ركابه باتجاه اللامعقول، بينما أنت مازلت في قلب المخاض، لأن علم النفس يحلل كثيراً، ويؤول أكثر ويسرد حكايات، ويفسر أخرى، الأمر الذي يجعلك لا تبادر متى ظننت، بانتظار اليقين، واليقين لا يأتي إلا بعد أجل غير مسمى، وقد لا يأتي البتة. عرجت نحو منعطف، تمرغت قدماك في وحل مياه آسنة، نامت على الأرض الطينية منذ أيام، انتشلت ساقيك بصعوبة، حاولت أن تنظف نعالك البلاستيكي القديم، من بقايا الطين المبلل، انتزعته من قدميك ونحيته جانباً، ماداً ساقيك على ظهر صخرة، أسندت ظهرها على كومة رمل.. تسمرت في مكانك متأملاً، غارقاً في شعاب الفكرة، ولم يزل صديقك يغط في النوم، ويبدو أنه اعتاد على تمضية نصف النهار على السرير الخشبي تحت السقف البارد، المتصدع بهواء المكيف.. ستقول إنك لم تنم البارحة، لأنك كنت تفكر، وكذلك لأنك لم تعتد النوم على فراش لم يستمرئ جسدك الخمود على قماشة القطن برائحة غريبة.. لم تكن الغرفة مرتبة كالمعتاد، لكنها لم تكن رثة أو عفنة، لكنك هكذا دوماً تشعر بالقلق عندما تفارق مخدعك.. العصافير هنا تطير فرحة بحرية، تنتقل على الأغصان في غزل رفيع المستوى، وكذلك الحمام البري، ذو الريش الرمادي، يستفيق صباحاً، ليبحث عن طعامه، من ثمرات الزرع، وذكور الحمير تلاحق إناثها، في شبق طفولي بريء، متحررة من قيد الحطابين، وسقاة الماء، والحادبين على ظهورها. زمن مر وقد استطاعت هذه الحيوانات النبيلة أن تتنفس الصعداء بعد تخلصها من العذاب اليومي، لا تستطيع أن تقول إن التطور الذي نشأ عن ثورة النفط لم تكن له إيجابية، فهذه الحمير الآن تجد منتجعها الصيفي، في هذه السيوح المحزمة بالخضرة والماء والممارسات العفوية، لفطرتها السحرية.
وكذلك القطط، لا أحد يؤذي مشاعرها، في هذا الفضاء الرحب، ورزقها من الفئران، والحشرات الأخرى، يتوافر هنا بكثرة، وبلا منغصات بشرية.. الحيوانات هنا تمارس حقها في العيش الآمن، فلا أيدٍ تطالها، ولا أعين تتربصها.. نهضت، غصت في البرزخ، وفي نفسك رغبة ملحة على أن تتشابه مع صديقك، لكنك ترتدع لمجرد التفكير، في تأسيس مثل هذه المملكة، لأنك مسكون بالخوف، خوفك الذي يلازمك، ويطارد إخفاقك كلما فكرت أن تحتسي من نفس الذي يكرعه صديقك.. تحسده أحياناً، وتنقم عليه أحياناً كونه متحرراً ورعاً، يمارس طقوسه المجونية، والجنونية، في صومعته، في خلاء الكون الفسيح.. تقول: لماذا لم أتخذ القرار الذي يسلخني من كل هذه الهواجس اللعينة، ثم تتعوذ من شر المجون.. في داخلك تتصارع القوى الغامضة، تحاصرك بقواها الفتاكة، فتضطر إلى التراجع، وتنزف بكاءً داخلياً مريراً..
ينصهر المكان بالحرقة، تحاول أن تختبئ في الظل، كما تفعل القطط التي تخلت عن مشاغباتها، وهجعت تحت الأفياء، مادة ألسنتها اللاهثة.. فجأة تقفز يقظاً، كانت يد أبي سيف تهبط على كتفك، تطبق قبضتها، تلتفت مذعوراً، يقول لك بصوت هامس: هل استمتعت بمنظر الصباح، بعيداً عن الضجيج..
تقول له بصوت مشروخ: بالطبع.. إنه منظر خلاب..
يقول لك: لو سمعت كلامي، عندما نصحتك، بالتخلي عن خزعبلاتك، لكنت الآن في أحسن حال..
تقول له بلهجة متحدية: المكان، رائع، لكنه لا يصلح للإقامة الدائمة..
ومن قال لك إنه مقر دائم.. مجرد منتجع، أقضي فيه أوقاتي..
أنا لا أحب العزلة التي تحبها..
بل قل إنك، ممسوس بقواك الخفية.
تبتسم ابتسامة باهتة.. ثم تطرق.. هذه القوى هي التي عصمتني من أفعال ترتكبها أنت.. ولو فعلت لما استطعت أن أقاوم حياتي..
يضحك ساخراً.. ثم يربت على كتفك: خذ بنصيحتي، ولن أخذلك..
تهز رأسك: لا تحاول.. أنا لا أستطيع..
يزم شفتيه.. ثم يردف: دعك من الوسوسة، وتعال لنأخذ إفطارنا.. السفرة المعدة سلفاً، مهدت طعامها بشرائح الجبن، والخبز الأسمر، والحليب، والشعرية المحلاة، والفول المطبوخ، والحمص..
قلت.. كل هذا تجهزه بنفسك كل يوم..
يهز رأسه، فخوراً.. أجل بنفسي.. ثم يمزح قائلاً: وهل تجد أمامك من تسكن معي تحت هذا السقف.. أمر طبيعي أن يخدم الإنسان نفسه بنفسه..
ولما فرغت من طعامك..
قال: الآن تحتاج إلى كأس أحمر.. أليس كذلك؟
هززت رأسك متجاوباً معه.. سيكون أفضل..
شعرت بالوجل وأنت تنتظر كأس الشاي، كنت تريده أن يفرغ من أي شيء تريد أن تدفعه في اللجة، لجة الحديث والحكايات التي تريد أن تستفسر عنها، قد لا يطيق حديثك عن الجن، لكنك على يقين أنه أعتى شيطان في هذه الأرض، ويعرف الشيء الكثير عن الذين يحفظون من حكايات الحب، وخفايا الأساطير القديمة.. أخذت رشفات الشاي وعيناك تحملقان في وجهه اللامع، أبو سيف، رجل يعتني كثيراً بنفسه، ويبدو من سحنته أنه يهذب شعر الوجه يومياً، ويفترض أنه يفعل ذلك كونه كائناً مغامراً، يعشق النساء إلى حد الشغف..
قلت له: يشغلني كثيراً هذه الأيام موضوع الساحرة أم الدويس، فهي المخلوق الذي أسس مساحة واسعة من وعي الناس، واحتل جبلاً من وجدانهم..
يتفرس في وجهك.. والابتسامة الساخرة تعلو وجهه قائلاً: أنت متأكد من كلامك.. صحيح، أنك تريد أن تعرف عن هذه الخرافة؟
تقول: ولم لا؟ أليست هذه الخرافة جزءاً من تاريخ مجتمع بأسره..
وماذا ستفعل بها لو عرفت؟
أريد أن أكمل دراسة عن القديسة أم داس.. أو أم الدويس..
يضحك بجلجلة.. آخر عمرك تريد أن تدرس حياة أم الدويس..
ألا تعرف أنني متخصص في علم النفس؟
وما شأن أم الدويس، بعلمك الذي تخصصت فيه..
تقول بلهجة جادة.. علم النفس يدرس سلوكيات الناس ومشاعرهم، وهذه الخرافة جزء من مشاعر الناس.. بل هي شكلت هذه المشاعر..
يفرغ كأس الشاي في جوفه، ثم يزدرد ريقه قائلاً: إذا كنت جاداً، فسوف أصحبك إلى رجل كهل يمكن أن يفيدك في هذا الأمر..
ترفع حاجبيك، مندفعاً.. سأكون شاكراً لك.
لا تحتاج إلى شكري.. فلن أبذل جهداً غير أن أصطحبك إلى رجل أعرف أنه غارق حتى أذنيه، في مسألة الجن والشياطين، وقد يطلعك على موضوع أم الدويس.. ثم يبتسم لتكمل دراستك القيمة..
تقول له، باشتياق، ومتى أستطيع أن أذهب إليه؟
بلهجة واثقة وهادئة.. لا تجزع، فالمساء يكون حاضراً في المزرعة المجاورة، هي ليست بعيدة، على بعد خطوات فقط. طبعاً سوف تسمع الكثير من القصص والروايات التي تدوخك، وعليك أن تسمع، وتأخذ منه ما يفيد.. هو رجل، شبه كفيف، لكنه يمتلك ذاكرة قوية، وفكراً ثاقباً، ولديه قدرة فائقة في تلفيق الصور والمشاهد الدرامية، ما يجعلك تعجب به، وتتمنى لو عرفته من زمن بعيد، ولكن عليك أن تحذر من تصديق كل ما يقوله، فهو يعتقد أنه ملك الجن، وسوف يسرد لك أحداثاً ما مرت على عقل بشر..
تزداد أنت قلقاً، وتتحين فرصة لقائه، وتكاد لا تصدق كلام أبي سيف، تريد أن تقابل الرجل في أقرب فرصة، لتنهل من معينة وتعرف منه أسرار أم الدويس، تريد أن تبني نظريتك العلمية، على معطيات ما سيبوح به هذا الشيخ الجليل الذي يهزأ منه صديقك.. شعرت باشتياق أكثر، واقشعر بدنك، كونك ستتعرف إلى رجل سوف يفك لك عقدة طالما عقدت لسانك، وهيضت منامك، وجعلتك تعيش كناسك طرد من صومعته ولم يبلغ مراده، بعد أن غضبت عليه الآلهة.
أبو سيف، يتفرس في وجهك، يقرأ تفاصيل محياك الشاحب، ويشيعك بابتسامة ساخرة، وأنت تحاول أن تغض البصر عن نظراته، ويهيأ لك على أنه رجل لا يعترف بالعلم كما أنه يحاول أن يتحاشى الخوض في عوالم الجن، ليس لأنه لا يعترف في هذا المحيط الغامض، بل إنه اعتنق فكرة منذ زمن بأنه يجب أن يهرب من كل شيء، أن يهرب من الجن والإنس، ليعيش حياته، هو ديماجوجي السليقة، ولا يستطيع أن يرهق ذهنه بأمور تبعده عن مزاجه الشخصي..
قبل أوان الموعد بساعتين أو أكثر بقليل، يخيل إليك أنك ذاهب إلى الجحيم، تصورت نفسك كالمتهم المحكوم بالإعدام، بدأت أطرافك ترتعش، وقلبك يخفق والعرق يسح من جسدك الذي أضحى كالقربة الناضحة.. نظرت إلى صديقك وهو يلج متاهات الفكرة، ولا يريد أن يخاطبك في أمر ما. أبو سيف لا يعتني كثيراً بهذه الأمور، بل يعتبرها ضرباً من الخرافات البالية، وكذلك أنت، لكنك تختلف عنه في أنك تريد دوماً ألا تمر الأشياء من حولك كلحظة عابرة، فالفكرة تظل تجوس في عقلك حتى تنهكك، وتصير أنت كالطفل الباحث، مهمة شاقة.. يشق عليك أن تفوه بالأشياء كما هي، ولا تفكر عميقاً في تفاصيلها المزمنة.. هذا مرض مزمن سكن روحك منذ طفولتك والآن كبر معك، بعد أن كبرت أسئلتك، الغامضة والشائكة.. فعلاً أنت تحسد هذا الصديق، الذي أمسك عصا الحياة من النصف وراح يروغ بها عن نفسه كل ما يشقي روحه، فاستمتع بحياته كما هي، ولا يفكر أبداً في تطويق عنقها بالأسئلة التي ليس لها إجابات سوى الشقاء.. تحاول أن تعتذر عن الذهاب مع صديقك إلى الرجل الذي سميته كاهناً، تريد أن ترتب أفكارك، تريد أن تهذب مشاعرك، لا تريد أن يستقبلك الرجل وأنت مرتبك العقل، تريد أن تقف أمامه بهيئة الرجل الباحث عن الحقيقة لا أنك مراهق، مرتجف، مرتعد الفرائص.. حاول أن تفوه بكلمة تنبئ الصديق عن رأيك الأخير، بينما كان هو مستلقياً على جانبه، يقلب ألبوماً، قديماً، ويبدو أنه رصف فيه مجموعة من الصور، كانت هذه هواية قديمة لديه، يجمع صور الأصدقاء، تجرأت، قلت له: أرني ما في الألبوم..
قال في ابتسامة نبيلة.. هذا لا يخصك..
ألست صديقك؟
بلى.. ولكن ليس كل ما لديّ هو مشاع..
إذاً لماذا تقلب الصفحات أمام عيني..
يضحك.. أريد أن أغريك.
وبماذا تغريني؟
أنت مندهش بكل شيء، وأي شيء يشد انتباهك؟
مديح هذا أم ذم..
بين هذا وذاك.. ثم يضحك مازحاً.. ويمد الألبوم لتتلقفه يداك المرتبكتان..
يصيح.. ما بك ترتعش كزعنفة سمكة ألقيت على الشاطئ..
تقول، زاماً شفتيك: لا أدري، ثم تزعق.. ما هذه الصور..
هل أعجبتك؟
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى