طبت حياً وراحلاً يا أبا خالد
إبراهيم الهاشمي
* دار الخليج
كل نفس ذائقة الموت، وكلنا على الدرب نفسه سائرون، لكن هناك من يغادر هذه الدنيا وكأنه لم يكن فيها، وهناك من يفارقنا جسداً فقط وتبقى أفعاله ومواقفه وعطاؤه وتعامله حية بيننا، وتبقى سيرته العطرة نبراساً وعلماً يستهدى به في مجاله، وهذا ديدن العظماء الذين وهبوا نفسهم للوطن . . يصنعون تاريخه ويكتبون سيرته .
ودع دنيانا الأستاذ والأخ والأب الكبير الدكتور عبدالله عمران تريم، ولا نملك إلا أن نبتهل إلى الله أن يتقبله بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنانه ويلهمنا وأهله وذويه الصبر والسلوان، لكنه ترك غصة تقف في الحلق لا تجد لها فسحه، ودمعة حرى تقبل قبره بكل الحب والشكر على عطاءٍ لم يتوقف طوال عمره وفي شتى المجالات، وخصوصاً في ميدان التعليم الذي غرس لبناته الحديثة منذ قيام دولة الاتحاد وميدان الحرف والكلمة والإعلام الذي كان أحد فرسانه الكبار وصناع تاريخه في هذا الوطن، وأحد أهم المنافحين عن حريته والباحثين عن تميزه .
رأيته أول مرة وأنا طفل في ساحة المدرسة حيث استوقفني بعد أن وضع يده بأبوة وسكينة على كتفي الصغيرة وسألني ماذا تفعل في الساحة؟ فأجبته بأنني ذاهب إلى غرفة الرسم . . فابتسم لي وقال هل تحب الرسم؟ فأجبته بفرحة كبيرة، نعم وأحب القراءة والكتابة أيضاً، فقال إذاً سأراك كاتباً أو فناناً في المستقبل، هل تعدني بذلك؟ صمت بتوجّس وسألته من أنت لأعدك؟ فقال مبتسماً . . "أنا أبوك وزير التربية" . . طرتُ فرحاً، وهززت رأسي واعداً بكل فرح طفولي .
حفظت صورته في مخيلتي الصغيرة، والتقيته بعدها بسنوات وهو بصحبة الوالدين المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله، وهم يفتتحون مدرسة طارق بن زياد الإعدادية بدبي، فأمسكت بيده وقلت له "أنا أرسم زين وخذت جائزة على مستوى الدولة" لا أدري إن تذكرني أم لا، لكنه قبلني على رأسي بأبوة وابتسامة حنونة وأخذني للشيخ زايد وأخبره، لأخطى بمصافحة الوالد المؤسس وقبلة لا يزال صداها في القلب إلى اليوم .
مرت السنون وأصبحت من ضمن كتاب الأعمدة بجريدة الخليج التي أسسها الأخوان تريم وعبدالله رحمهما الله، لتكون مشعلاً للكلمة الصادقة ومنبراً للحرية والتعبير الشفاف والموقف الوطني الملتزم، وفاجأني بدعوة كريمة منه للاجتماع به، ذهبت فوجدت الشخصية ذاتها التي اختزنتها وأنا طفل لم تغيرها الأيام والسنين، وزادني سعادة حينما شرفني بكلماته وتقديره وسعادته بأنني أصبحت من كتاب الجريدة، فذكرته بقصتي معه وأنه زرع الرغبة وخلق الحافز، فابتسم الابتسامة ذاتها التي أتذكرها عن ظهر قلب، وقال هذه جريدتك وهذا مكانك، لا تضع حواجز، اكتب بحرية وصدق فالوطن يحتاج إلينا، لا تتردد إن وجدت خللاً في عملنا أن تخبرني به، أو إن كان لديك أي اقتراح للتطوير أن تتحفنا به . . وودعني بعد تلك الجلسة التي لا أنساها بكلمات ما زالت ترن في الوجدان قائلاً "يشرفنا وجودك بيننا" .
إن العظماء لا يموتون . . يرحلون لكنهم لا يموتون . . والأستاذ الأخ الأب التربوي الإعلامي السياسي، وقبل كل ذلك الوطني الصادق والمثقف الملتزم بقضايا وطنه وأمته الدكتورعبدالله عمران تريم، أحد عظماء هذا الوطن ومن الرجال المؤسسين الذين ستبقى بصماتهم شاهدة على ما بذلوه وقدموه وتبقى أسماؤهم ما بقيت الدنيا والحياة .
لا نودعك لكننا نقول . . طبت حياً وراحلاً يا أبا خالد