-
18 - 3 - 2014, 01:31 AM
#1
قناصو الفراغ حراس اللغة
قناصو الفراغ حراس اللغة
لينا أبو بكر
لكي توقن بالفراغ، عليك أن تجزم بأن الزمن مرهون بالوجود، وأن التلاشي لا يعني توقف الزمن أبداً، إنما تغير الوجود ضمن معادلة زمنية معكوسة.
في كل الأحوال، لا يغرنك تبدل الزمن، ما دام الوجود ماهراً بالتخفي في العدم، وبين الشيء واللا شيء، يتعثر الفهم على الغموض، لأن الشيفرة الأساسية لإدراك معنى العدم لا تفك رموزها معادلة وجودية، بقدر ما توضح هي معنى الوجود.
في هذه الصحراء هنالك تماه بين الجوهرين، ولكن كيف؟
أن تعيش هنا بعد أن تحترف لعبة المنافي في صحارى الجليد، يعني أن تغير قدميك لا أكثر.. مع الاحتفاظ بالطريق.
ولكن هل هذه نقمة أم أنها محاولة للثأر من الغربة في غير مكانها الصحيح؟
لا تسل عن فجيعة البحر بما ألقيت من حقائب في خزائنه، ولا تسل عن الغرباء كلما مررت بهم على مقاعد الانتظار في المطارات ومحطات القطار، والدوائر الرسمية، والأزقة الباهتة في ليل مقشعر من هول الصقيع، ولكن سل عن إرادتك التي دفعتك لاختيار غربة لا تليق بدمك الحار، وعقدة حاجبيك.
الآن بعد تبدل الوجود الجامد بزمن بلا وجود، أين يكمن الفارق تحديداً؟
يتحرك الزمن بخفة وجاذبية، ولكنه يفقدك إحساسك بالوجود، لأنه الوجود، بينما يكون الزمن في غربتك الضبابية ثقيلاً، ولصاً يخطفك منه، ويستولي على إحساسك بعدمك، ليس لمصلحة الإحساس به، بل ليخضعك لثقل مرهون بالعدم.
أيهما أحلى مرارة؟
الفراغ في الأساطير القديمة مرتبط بالإحساس به، وهو في علم الفيزياء أساس معرفي يحدد الصفات الأساسية لهذا العالم، بل إنه شكل من أشكال المادة "وسط مادي"، وهنا يصير الزمن موجة ضوئية تنتقل إلى حيز فارغ، فتشغله، ولكن أي زمن لا يتغير طالما أن الفراغ تجربة تقع ضمن تأثير الحواس كما فسرتها النظرية النسبية لأنشتاين؟
وهنا يأتي البعد الجمالي لإدراك الفراغ عبر نطاق إبداعي يحاصره لكي يحدد معالم العدم، بشكل أو بآخر هي الهارمونيا التي ينبثق منها الفكر الجمالي حتى لو كان يتأمل اليأس كحالة ملهمة ليس للموت وحده -بما أنه أحد أشكال الإبداع الصامت- بل للإبداع المتحرك في سياق الزمن القادر على الوثب فوق خيوط الضوء بخفة الصبا.
قبل كتابة هذه السطور، لم أكن أعلم الفارق بين غربتين سوى عبر الحدس بما تقوى اللغة على استنباطه خلال عملية الكتابة، وهنا يكون الرهان على اللغة، اللغة فقط هي التي تستطيع أن تقود الكاتب لإدراك الفراغ الحقيقي والفراغ الوهمي، لأن الغربة التي تحول الوجود إلى وهم بإسقاط الاستيعاب الحسي للزمن، تقع بالضرورة في حيز الفراغ الوهمي، الذي تصبح اللغة فيه عاجزة عن نطق، مع قدرتها التامة على افتعال الكتابة، بينما تقع الغربة التي "تدوزن" الإحساس على إيقاع الزمن في حيز الفراغ الحقيقي، طالما أن اللغة تفتعل النطق في ذروة تلقائيتها مع الكتابة، وبين الفراغين هناك شرط وحيد لاستكمال معادلة العدم ألا وهو: الإبداع. قد تكون قصيدة "تي إس إليوت"، الأرض الخراب "اليباب" الأنقى تعبيراً عن ثقل الزمن في لغة تمهر بافتعال اللغة، وهو إبداع فائق، خاصة حين يعبر عن لاشيئية الأشياء حوله، فالحجارة جافة، والماء بلا صوت، ولم يتبق سوى الظل... وهو انحدار من حبل إنقاذ جمالي، أسعف العجز عن النطق، بإنطاق اللغة الوصفية لكوائن ساكنة... أصبح التفاعل العاطفي معها مجرد تعبير عن نقمة أكثر منه ترويضاً لهذه النقمة... وهذا لا يخل بالإبداع، إنما يعطيه طابعه المستمد من مواصفات المكان أولاً وأخيراً.
بينما حين يجمد الزمن في ميقات الصحراء، لا يعني هذا أن الإحساس به أصبح ثقيلاً، بل على العكس تماماً، إن درجة الحساسية هنا تخترق الجمود لمصلحة نضج الحزن الذي يزداد رهافة وشفافية، ويصبح زمناً بديلاً طالما أنه زمن إبداعي، وربما يكون بيت امرئ القيس في معلقته خير برهان على تقنع الزمن بالحزن، وجيشان اللحظة بكل مكنونات الإضمار الحسي الذي يتجلى بالثبات وليس الجمود، وهو رهن الحالة في كل أحواله:
فيا لك من ليل كأن نجومه
بأمراس كتان إلى صم جندل
يا الله، كم يحرك الشاعر الزمن في حيز العدم بكل أدواته اللغوية المتدفقة ضمن إيقاع حركي بطيء، وخافت، ولكنه مشحون بالدفق العاطفي الذي يشبه مكانه المائج.
ثم وبعد هذا كله عرج على طرفة، عربيد الصحراء، الذي قهر العدم بإبداعية الفراغ، وهو يحرك الزمن بساعته الرملية حين أضاف صوتاً للرمل، لا يشبه صوت عقارب الساعة، بقدر ما هو صوت متوجس، تجيده البدوية كحاسة دقيقة تدلك على الليل من حركة السراة الخفية، وهنا يكون الحدس قناص الخفاء. والخفاء فراغ ممتد وصاخب وسري وحفيفي، وغاو، لا يعثر عليه سوى حبيبة لها مهارة الكشف عن الزمن بحركية سواكنه.
وصادقتا سمع التوجس للسرى
لهجس خفي أو لصوت مندد
الآن يطمئن الفراغ... هنا قرب الأهل والصحبة واللغة، فراغ ينبئ بسكينة لا بسكون، كأنه يُشيِّئ اللاشيء بالقصيدة، من دون أن يضطر إلى اجترار اللغة، فراغ يشبه دفتر الغيب، مكتوباً بماء سري، لا يقرؤه سوى ملائكة الموت حين يحين أجل القيامة!
* * * * *
*المصدر: جريدة الخليج، ملحق (الخليج الثقافي)
التعديل الأخير تم بواسطة مختفي ; 18 - 3 - 2014 الساعة 01:33 AM
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى