-



تحمل دلالات تاريخية وأسطورية
الأبواب مرآة جمال البيئة الإماراتية







الشارقة - عثمان حسن:


تحتوي مفردة "الباب" بحسب معناها اللغوي، على دلالات كثيرة مباشرة ومجازية، فالباب هو السبيل، والطريق، وهو الحاجز الذي يفصل بين مستويين أو فضائين، وهو أيضاً باب مجازي أو استعاري، كأن نقول باب الرزق أو باب الرحمة، كما أن هناك دلالات تخيلية كثيرة للباب حين يراد استخدامه في الأدب أو الشعر على وجه الخصوص.


كذلك، مستخدم بكثرة، بوصفه كتلة مادية ملموسة، في البيوت والمنازل، وهو هنا، فاصل بين الغرف وطريق يؤدي إلى الحديقة والبيوت المجاورة وهكذا، هذه الكتلة، عولجت في مجالات الفن والعمارة والتصميم، وأصبحت تتشكل في منظور جمالي وبصري باستخدام الزخارف والتزويق، والموزاييك، وربما الحروف العربية وهكذا.


الباب، سكن وهدوء، وسر يتجاذب أطراف الحديث مع ساكنيه، لا يبوح خارج بروازه المعدني، يوصد على الحلم، ويفتح على المسرة، والحرية التي تتقاذفها جدران البيت، يزين المنازل القديمة والحديثة، فيه عراقة الماضي وأصالته، وحداثة الحاضر وبهجة ألوانه، البيوت على اختلاف أشكالها وامتدادها الزمني، تدين بالأبواب بالكثير الكثير، أما المنازل فتتنافس على زينة أبوابها، ليس مهما أن يكون أصلها من الخشب أو المعدن، الأهم أن تكون قوية وجميلة، فهي مفتاح البيت، ونافذة أهله على الراحة والدعة، يشير البعض إلى مقدار زينة الأبواب، وما تتضمنه من إكسسوارات وتصميم، بوصف ذلك كله، يزيد من رصيدها ورونقها، يصبح الباب هنا، علامة، وماركة مسجلة، وشهادة، ووثيقة ناطقة باسم البيت دون غيره، فالباب إذاً، جزء أساسي من معمار البيت، وجرت العادة كما يصف أحد الدارسين أن تكون الأبواب الخارجية أو "البوابات"، في البيئة المحلية ضخمة ومصنعة من بنيان متين، يصمد في وجه رياح الصحراء، وليس مستغرباً اتخاذها من الرمال أجمل ألوانها كنوع من التعايش الكلي مع مفردات طبيعة البر وأجوائه البسيطة.


في مجال الفن، ارتبط الباب بالبيئة، كما ارتبط بالتراث الإماراتي، على نحو غير مسبوق، وربما كانت تجربة الفنانين الأوائل خير دليل على توظيف الباب، ليعكس جماليات هذه البيئة، ومن يطلع على تجربة التشكيلي المتميز عبدالقادر الريس، يشاهد مجموعة مهمة من لوحاته التي أبرزت الأبواب القديمة، كأنها تغوص في عمق المكان وأصالة المنطقة، إذ تمكن الريس من تسليط الضوء على اختلاف الأبواب وتباينها، وما يمكن أن تستره داخلها، خصوصية المكان، لدى رسومات الريس عكسها في أبواب بدت كأنها حقيقية، لا يمر الزائر أمامها، من دون أن تلمس تفاصيل دقيقة للباب، عكستها كثير من الملاحظات النقدية التي رأت أن ما يملكه الريس من إمكانات فنية وقدرة هائلة على استخدام الألوان عكس ذلك الانطباع، خصوصاً أنه لم يغفل عن أي تفصيلة صغيرة من تفاصيل الأبواب.


تجربة الريس في محاكاة البيئة الإماراتية وإظهار التكوينات المعمارية والتراثية، نقلت بحرفية عالية، من خلال الرسم، ليس ذلك فحسب، ونوه عن كثير من معارضه الناجحة، من خلال أعماله التي أفرد لها الريس مساحة كبيرة في رصد البيئة الإماراتية، سواء البيوت القديمة وجمالياتها الملحوظة، وذلك الافتتان بتكوينات الشجر المنتصب في الفلاة والنباتات والأزهار البرية، وكذلك البراجيل، والأقواس، والنوافذ، والنخيل، والأبواب التي تشكل مفردات أثيرة في لوحات الريس.


قبل نحو عام ونصف أصدر المصور الصحفي اللبناني يوسف القيس كتاباً بعنوان "أبواب الجنة" اشتمل على أكثر من 90 لقطة متنوعة لأبواب إماراتية، في أبوظبي والعين ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة ورأس الخيمة، وتميز الكتاب بإظهار أنواع من الخشب العتيق والمعدن، الذي صمد في وجه الطبيعة وتقلباتها بين الحر والرمل والشمس الحارقة والرطوبة العالية، قيل عن الكتاب في حينه "إنه يجسد رحلة آسرة، قطعتها كاميرا القيس إلى إمارات الماضي القريب، ضمن قيمة جمالية يمكن اختصارها ب "باب الأمس بعين اليوم" وتمت الإشارة إلى الحساسية البصرية والتشكيلية عند مؤلف الكتاب، الذي قدم سلسلة من الأبواب التي لا تزال تحرس بإباء دوراً وبيوتاً ومنازل ومؤسسات إماراتية، تقبض بثبات على هوية الأمس، بشغف وحب، عاكسة دفء أهلها وأصالتهم وكرم ضيافتهم".


الباب هوية وتاريخ، وجمال يوحي برقة ساكنيه وثراء وعطف وجدانهم.


تميز الكتاب أيضاً، برصد ألوان البيوت، كأنه دراسة في فلسفة اللون البني عند القيس، قابل للتدرج، وتباينات الداكن والفاتح، وما بينهما.


وكما حضر الباب في التشكيل الإماراتي، وعبر عن جماليات خاصة، يمكن التوقف عند حضوره في ذاكرة التاريخ، فحكاية مدينة تطوان المغربية وأبوابها السبعة، حكاية معروفة عند الدارسين.


والأبواب موجودة عند معظم الشعراء والفنانين من مدينة تطوان.


هذا الحضور، برز كما الأسطورة في حكايات الأبواب السبعة، فلكل باب خصائص ووظائف مختلفة عن الأخرى، بحسب قدمه في الزمن، وما يكتنفه من أسرار وتفاصيل.


من هذه الأبواب "باب الملكة" نسبة للملكة إليزابيث الإسبانية، و"باب الرموز" الذي يقع جنوب سور المدينة التطوانية العتيقة، بداية القرن السادس عشر.


وهناك "باب المقابر" في شمال المدينة العتيقة، التي بنيت منتصف القرن السادس عشر، وسميت بذلك لأنها تطل على مقبرة إسلامية، بتطوان تسمى "باب سيدي المنظري"، ومن أسمائها "باب النوادر" غرب حصن المدينة، و"باب التوت" و"باب الصعيدة" نسبة لضريح سيدي الصعيدي من صعيد مصر، الذي يقع ضريحه على بعد خطوات من الباب، أما الباب، فيقع غرب أسوار المدينة العتيقة التي سماها الإسبان باب "سان فرناندو".






الباب في الشعر

في قصيدة لناظم حكمت بعنوان "بيرام أوغلو.. ابن بيرام" وهي واحدة من قصائده التي كتبها في السجن، تتزيا البوابات بدثار أسود يشبه حال النائمين في الغرف المظلمة للمدينة السوداء، الذين يرون أنسجة الألوان الدموية في أحلامهم:


يقول:


الأبواب السوداء
للدكاكين ذات الطابق الواحد والسقوف المستوية والجدران
الحجرية، مغلقة
هذه لعنة سوداء،
خرجت من شفة الليل وأقبلت...
هذه العربة لا يجرها اثنان من الجياد،
بل اثنان من الهياكل العظمية
فوانيس هذه العربة تثير الرعب
مثل العيون
العمياء العميقة
والمحفورة بالخنجر..






*المصدر: جريدة الخليج، ملحق "تراث"