-
7 - 9 - 2014, 02:54 AM
#1
حكمة متسلل تقوده إلى الشرطة
حكمة متسلل تقوده إلى الشرطة

*جريدة البيان:
رفع وكيل النيابة نظره إلى المتهم الذي تم القبض عليه بتهمة دخول الدولة بطريقة غير مشروعة، ولفت انتباهه ملامحه التي بدت مرتاحة للغاية، وتلك الابتسامة المطمئنة التي قابل بها نظرات وكيل النيابة، فاشتعل فضوله لما اعتاد عليه من نظرات المسكنة والخوف في عيون المتهمين، خاصة المتسللين، وقرر معرفة المتهم بأكثر مما تقتضيه التحقيقات، فأخذ يلقي عليه الأسئلة، والمتهم يجيب بالهدوء نفسه، والمترجم ينقل القصة برواية المتهم.
قال إنه وصل إلى مدينة أبوظبي متسللاً عبر البحر منذ عدة أشهر، ولكنه شاهدها بشكل واضح وصحيح للتو خلال رحلته من السجن إلى النيابة، هي مدينة جميلة، ولكنه لم يكن يجدها كذلك من قبل، كان يرى وحشاً يحاول سلبه فرصته خلف كل جدار وشجرة، وكانت وجوه الناس بالنسبة إليه تشبه وجه رب عمله الذي استغل وضعه، وجعله يعمل ضعف الآخرين بنصف الأجر، وقال أيضاً إن المرة الأولى التي شعر فيها بالراحة منذ غادر موطنه كانت عندما توقف عن الركض تاركاً رجال الأمن يقبضون عليه.
هو عامل بناء متخصص وموهوب في عمله، ولكن ذلك لم يكن مجدياً في مدينته الفقيرة، ولذلك حاول بأكثر من طريقة الحصول على فرصة عمل في أي من دول الخليج العربي أو دول الغرب، ولأنه لم يعد يطيق صبراً، فقد قرر أن يتجاوز القانون، ويصل إلى أي من تلك الدول بأسرع وقت، فجمع مدخراته ومبلغاً صغيراً يمتلكه والده، وباع قطعتين ذهبيتين كانت أمه تتزين بهما منذ زفافها، وأعطى كل ما جمعه لمهرب مقابل مساعدته على تجاوز الحدود نحو أبوظبي، وقد فعل.
وما إن وصل إلى الدولة حتى بدأ البحث عن عمل، وعلى عكس ما كان يعتقد، فقد كان الأمر صعباً للغاية، ولم يكن هناك الكثيرون ممن يقبل استخدام متسلل وتعريض أنفسهم للحبس مدة لا تقل عن شهرين وقد تصل إلى ثلاث سنوات ودفع 100 ألف درهم غرامة، وحتى إن وجد من يستخدمه فإن ذلك لا يستمر كثيراً، وغالباً ما يطردونه لأقل سبب بعد أن يحتسبوا له أجراً يقل كثيراً عن أمثاله من العمال، برغم مهارته وقدرته المتميزة، ولذلك فقد قضى معظم أيامه يلتحف السماء وينام بعينين لا تغمضان، خشية أن يقبض عليه أو يراه أي من رجال الأمن ويطلب أوراقه أو ما يثبت وضعه.
وهكذا عاش الأشهر الأولى من حياته في الدولة، إلى أن وجد عملاً عند شخص يعرف أنه متسلل ولا يمانع في استخدامه، وأخذه للعمل لديه في منطقة صحراوية بعيداً عن المدينة مع عمال آخرين معظمهم متسللون، وكان رب العمل يفرض عليهم العمل ساعات طويلة، تتضمن العمل تحت وهج شمس الظهيرة، حتى يفقد بعضهم الوعي من شدة الحرارة والإرهاق، وهو ما أخبره بعض العمال بأنه ممنوع وفق قانون الدولة، وأن رب العمل يستغلهم لمعرفته بعدم قانونية وضعهم، وأن أحدهم لن يشكوه مهما فعل بهم، في تلك اللحظة تمنى لو أنه انتظر حتى تأتيه فرصة لدخول الدولة بصورة شرعية، ليستطيع أن يعيش ويعمل في الدولة تحت مظلة القانون، فلا يستطيع أحد استغلاله، ويكون له ملجأ يشكو إليه في حال تجاوز أصحاب العمل على حقوقه أو كلفه ما لا يستطيع.
وفي أحد الأيام، سمعوا صوت سيارات الشرطة خلال فترة راحتهم، فركض زملاؤه جميعاً هرباً، وركض هو أيضاً معهم، ولكنه في لحظة شاهد أمامه كل ما عاناه من تعب واستغلال منذ حضوره إلى الدولة، وكيف قضى كل تلك الشهور هارباً من مكان إلى آخر، وكيف استغل أصحاب العمل وضعه كمتسلل، ليجعلوه يعمل وقتاً أكثر بأجر أقل، وبدل أن يحسن وضع أسرته، وجد نفسه وقد خسر مدخراتهم ومعها صحته التي استهلكها أصحاب العمل بقسوة، كما خسر راحته وطمأنينة نومه، عندها توقف عن الهرب، وبقي في مكانه منتظراً وصول رجال الأمن إليه.
** تنشر الصحيفة صباح كل أحد بالتعاون مع دائرة القضاء في أبوظبي قصصاً من أروقة القضاء بهدف نشر التوعية
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى