|
|
-
يحتاج عزيمة ووقفة جادة مع الذات
الفشل عودة إلى النفس
تحقيق/ محمد هجرس:
هناك من تسوء مجريات حياته بسبب خسارة تعرض لها، سواء أكانت بفقدان مال، أم مقربين منه، أم منصب، وفي المقابل، هناك من تكون تلك الخسارة دافعاً قوياً لتغيير مسار حياته بأكملها، لأن الإنسان حينها يكتشف قدرات كثيرة لديه من خلال النظر إلى نفسه بتجرد حال تعرضه لها، خصوصاً إذا استطاع التخلص من تشاؤمه الذي يجعله يرى كل شيء سوداوياً، ويندفع إلى الانزواء بعيداً عن المجتمع، لإيمانه بأن كل أبواب الحياة أغلقت بتلك الخسارة التي تعرض لها.
"الخليج" التقت بأشخاص عاشوا الخسارة، منهم من واجهها وحوّلها إلى نجاح، وهناك من زادته فشلاً، وبقي "محلك سر"، وأصبح معرضاً للأمراض.
في أسى، يؤكد حمد الأنصاري الذي يعمل في مجال الصرافة أنه تعرض لخسارة كبيرة حطمته نفسياً واجتماعياً، لكنه لن يستسلم أبداً، ويحاول أن يتمالك نفسه ليعود من جديد إلى السوق، وبدأ في الإمساك مرة أخرى بخيوط النجاح، كعهده بنفسه دوماً وبتشجيع من أسرته التي تقف دوماً بجانبه لإيمانها به وبأفكاره التي تدفع العديد من الناس لاستشارته في تصرفاتهم المالية.
ويشير هاني حسين "محاسب" إلى أنه مني بخسارة كبيرة في تجارة الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية، ولم يبق منها سوى الديون، لكنه تغلب على هذا الفشل، وحوله إلى نجاح في الدراسة وحصل على بكالوريوس التجارة بدرجة جيد جداً، ولظروف لا دخل له فيها واجه الفشل من جديد في عدم تعيينه معيداً بالكلية، ورغم حزنه الشديد الذي كاد يسيطر على حياته فإنه خرج منه وقرر النجاح من جديد، وهو ما تحقق في وظيفة بإحدى شركات البترول عابرة القارات، مؤكداً أنه اكتشف أن الإنسان بداخله جوانب الفشل والنجاح، لكنه يحتاج فقط إلى الإرادة.
يؤكد حسين محمد أنه لم يكن يحلم بالفوز بأي شيء في حياته، لأن كل من حوله يرددون دائماً أنه لا فائدة من تضييع الوقت في التفكير والإعداد للتقدم لأي جائزة، مشيراً إلى أن حياته بسبب ذلك أصبحت مملة لأن الفشل ترسخ في نفسه، لكنه في أحد الأيام عندما ذهب إلى العمل وقرأ عن مواعيد المشاركة في جائزة "التميز" بالنيابة العامة بدبي قرر المشاركة فيها، ومن جديد سمع زملاءه في العمل يؤكدون أنه لا فائدة، لكنه تجاوزهم في تفكيرهم واستمع إلى صوت عقله فقط، وأطلق عليهم "أعداء النجاح" فسخروا منه، وفوجئ وقت إعلان النتيجة بفوزه، وتم تأهيله إلى جائزة أكبر وهي جائزة "دبي للأداء الحكومي"، وهو ضرورة اعتماد الفرد على نفسه وأن يجرب، وألا يستمع لأعداء النجاح.
ويتذكر طاهر محمد أحمد حبه لأصدقائه في فترة الصبا ولهاثه خلفهم في كل شيء، والتأثير فيه وجره إلى التعليم الفني رغم أن ترتيبه كان الرابع في الشهادة الإعدادية، مشيراً إلى أنه بقي معهم حتى وجد نفسه في الفرقة الثانية بكلية التربية، وهي المرحلة التي توقف عندها، وسأل نفسه ما مصيره في الحياة؟ وفي اليوم التالي قرر دراسة القانون وترك التربية، لكنه واجه معارضة من الأسرة، والأصدقاء، واستغرب من وقوف الكل ضده، لكنه مضى، لأنه لم يكن يسمع سوى صوت عقله الذي كان يرفض الفشل ووصمه به، كما سمع من المقربين منه، وحصل على المراكز الأولى خلال فترة الدراسة بالجامعة، بعدها التحق بدراسة الماجستير الذي حصل عليه خلال فترة قصيرة، وكان عنوانه "زواج المسيار بين الفقه وقانون الأحوال الشخصية بالدولة"، لافتاً إلى أنه يستعد حالياً للحصول على الدكتوراه، ويحلم بأن يكون ضمن أعضاء النيابة العامة بالدولة، وهو الحلم الذي راوده بعد أن توقف مع نفسه وهو يلهث خلف الأصدقاء.
وتؤكد شيماء شمس الدين أن خسارتها كانت كبيرة في مشروعها التجاري، نتيجة قلة خبرتها في التجارة، وكانت بحاجة إلى فهم واستيعاب ما حدث لكي تتخطاه، وظلت تسمع من حولها يردد أنها سيدة سيئة الحظ، لكنها لم تستمع لهم كثيراً وقررت خوض التجربة مرة أخرى، لكنها فشلت من جديد، وشعرت وقتها أن كل شيء ضاع منها، ولأنها عنيدة قررت إعادة المشروع نفسه مرة أخرى وهي مملوءة بالخوف، لكن إيمانها بنفسها كان يدفعها لترديد أن الخسارة تجربة لابد من الاستفادة منها، مشيرة إلى أنها عندما غيرت تفكيرها تغيرت طريقة تعاملها مع مصاعب الحياة، بل استوعبت الدرس، وشعرت أن الأمور مختلفة، والتعاطي معها مختلف، حتى نوعية المشروعات، لتتوسع نظرتها، ولتبدأ في قياس الأمور بشكل مختلف وأكثر تحديداً ودقة.
وتشير د . يمنى محمد إلى أن خسارتها كانت كبيرة وقت وفاة والدتها، لأنها كانت في السنة الثالثة بكلية الصيدلة، التي تركتها وقتها وفضلت البقاء في البيت رغم محاولات أسرتها إعادتها إلى الدراسة، لأن الامتحانات كانت على الأبواب وسوف تزداد خسارتها وتتدهور صحتها، منوهة إلى أنها في لحظة وقفت مع نفسها وتساءلت: هل حزنها سيعيد إليها أمها؟ ولأنها رأت أن الإجابة بالنفي، قررت العودة للدراسة من جديد، وملاحقة ما فاتها من دروس، ما أدى إلى تحقيقها النجاح، وحصولها على المركز الثالث في تلك السنة.
ولفتت إلى أن الحزن لا يمكن أن يكون سبباً في تحقيق النجاح لدى العديد من الناس، إلا إذا كان تفكيرهم منسجماً تماماً مع الواقع الذي يعيشونه، وإيمانهم بأن الحياة تمضي من دون أن تنتظر أحداً، وعلى الجميع السير في ركبها.
*المصدر: جريدة الخليج، ملحق "استراحة الجمعة"
..
..