سعيد عقل والتحليق فوق الحياة

شوقي بزيع

* دار الخليج




لشدة ما أحب سعيد عقل الحياة وافتتن بها، خيل للبعض أن نبأ رحيله عن العالم لم يكن سوى شائعة جديدة تضاف إلى جملة الشائعات المماثلة التي تعرض الشاعر لها في العقد الأخير من حياته . ذلك أن صاحب "رندلي" و"أجمل منك لا" لم يظهر إلى العلن منذ خمس سنوات تقريباً، وبات ملازماً لمنزله في ضاحية بيروت الجنوبية بعد أن فقد سمعه وشح بصره، ولم يعد منه إلا ذلك البريق الساحر في عينيه، وبقية باقية من الوسامة التي لازمته على امتداد عمره الطويل . والواقع أن أحداً من الشعراء لم يظفر بهذا العدد من السنين الذي انتزعه سعيد عقل لنفسه دون أن يظهر تبرماً بالعيش أو عزوفاً عن الحياة، بخلاف زهير بن أي سلمى الذي رأى الحياة في ثمانينه مدعاة للمشقة والسأم والكلفة الباهظة .

ثمة شعراء كثيرون نعرفهم، قضوا في ثلاثينات أعمارهم أو أربعيناتها، أو قبل ذلك أيضاً . ولا اتحدث هنا عن المنتحرين الذين وضعوا حداً لحياتهم عامدين، بفعل خلل عصبي أو فقر مدقع، أو هرباً من الاضطهاد، بل عن أولئك الذين اختزلوا الحياة إلى نصفها أو أقل بعد أن تجرعوها بالملاعق الكبيرة، كما يقول إليوت، وكتفوا لحظاتها أبعد ما يكون التكتيف . اتحدث عن أولئك الذين أحرقوا ذواتهم على حطب المعاناة والمكابدة والانصهار بما يكتبون، إلى حد أنهم باتوا نهباً لسائر الأمراض والعلل، وباتت أجسادهم الهشة مكشوفة أمام الموت . تماماً كما كان الحال مع جون كيتس وجبران وأبي القاسم الشابي وبودلير ورامبو وبدر شاكر السياب، وكثيرين غيرهم . مثل هؤلاء الشعراء لا يعمرون طويلاً في العادة لأن في كل سطر من سطورهم شطراً محترقاً من الجسد، وفي كل جملة يكتبونها جزءاً من لحمهم الحي ودمهم النازف .

فكيف أتيح لسعيد عقل والحالة هذه أن يجاوز القرن الكامل بسنتين، وأن يصبح، بحسب ما أعلم، رئيس السن في جوقة الشعراء المعمرين؟

قد يذهب المختصون في علوم الوراثة والطب بأن الأمر يتصل بالمورثات الجينية، كما بنمط العيش وطريقته، وهو أمر صحيح بأي حال، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن شخصاً كسعيد عقل لم يكن يسرف في طعام أو شراب، ولم يكن يبخل على نفسه بالراحة والنوم، وكان لديه من الطمأنينة والرضى ما يبعده عن التوترات والتمزقات التي تضرب الشعراء في صميمهم . ورغم أنه شخص اشكالي بامتياز، سواء في علاقته باللغة العربية، أو دعوته إلى استبدالها بالحرف اللاتيني، أو موقفه المناوئ للحداثة، فهو لم يدع سجالاً من السجالات يخرجه عن طوره، ولم يدخل في معارك شخصية وضارية مع الآخرين . وكانت دماثته البادية والابتسامة التي ترسم على ملامحه هما الوجه الآخر لعنفوانه الغضوب، أو لاعتداده بنفسه وبلبنان اعتداداً لا حدود لغلوائه . وكان سعيد عقل، في لقاء اتنا المتباعدة به، يكرر القول على مسامعنا إن الحياة هي هدية الخالق لمخلوقاته .

على أن سبباً جوهرياً آخر يكمن برأيي خلف الحياة المديدة لسعيد عقل . وهو سبب يتصل بمفهومه للشعر، كما بمفهومه الخاص للعلاقة بين الشعر والحياة فالشعر عنده موهبة أولية ترفدها المهارة والهندسة والنحت، لا المعاناة والعاطفة والألم . وهو في سجاله الشهير مع الياس أبو شبكة، يرى العاطفة والألم بوصفهما جنوحاً بالشعر نحو الرخاوة الرومنسية، والتفجع الذي يفيض عن حاجة اللغة . وهو بذلك كان أقرب إلى الرمزية المتمثلة برامبو وفاليري ومالارميه منه إلى الرومنسية الحالمة والنسيج الباكي . هكذا بدت قصيدة سعيد عقل، في وسامتها وتأنقها، نوعاً من التصادي الفعلي مع وسامته وأناقته وافتتانه بالجمال .

ليس ثمة ما يند عن الألم في حياة سعيد عقل كما في شعره . لكن نزوعه النيتشوي إلى الترفع والصلابة والقوة، لا يذهب مع نيتشه إلى التهام الحياة وافتراعها على النخوم الأخيرة للنزف والجنون والافتراق عن القيم السائدة، بل يأنس من جهته إلى القيم الامتثالية المتوارثة، كالكرم والشجاعة والفروسية والنبل والعفة وسائر الفضائل . هكذا ينفصل الجمال عنده عن أرضه المحسوسة ليذهب إلى مثاله الأفلاطوني . والمرأة عنده "معبد" لا يمس/يزار ويلمس من شاسع" . أو هي وعد لا يتحقق: "هممت بأن تخطري في الوجود ولم تفعلي" .

لقد حلق شعر سعيد علق فوق الحياة وخارجها، وولدت سطوره وعباراته من احتكاك المفردات والحروف بنفسها، لا من احتكاكها بالعالم . ولذلك لم يكن غريباً أن يقوده حضوره المطمئن في العالم، والواثق من صوابية رؤياه كل الثقة، إلى أن يحلق هو بدوره فوق الحياة أطول ما يكون التحليق .